السيد ثامر العميدي
16
حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني
انحطاط تارة أو نشاط تارة أخرى ، يكاد أن يكون انعكاساً طبيعياً لما يجري من ذلك في عاصمة الدولة العبّاسية ( بغداد ) . الثاني : عدم وجود ما يدلّ على مُدَّة مكوث الكليني في المدن والحواضر العلمية التي انطلق إليها في رحلته الأولى من الريّ ، أو الثانية من بغداد ، ومع عدم وجود المعرفة الكافية بذلك ، يبقى تأثّره بالمعطيات السياسية والفكرية والثقافية السائدة في تلك المدن - على فرض عدم صحّة التعميم السابق - مجرّد احتمال ضعيف لا يمكن اعتماده ، وبناء هيكل البحث عليه . وإذا ما علمنا أنّ ثقة الإسلام الكليني طاب ثراه قد عاش ثلثي عمره تقريباً في الريّ ، والثلث الأخير في بغداد ، وعلمنا أيضاً موقع الريّ الريادي في المشرق الإسلامي يومذاك ، وموقع بغداد بالذات ، وثقلها السياسي والفكري كعاصمة للدولة : اتّضح أنّ الحديث عنهما بأيّ صعيد كان ، هو الحديث عن غيرهما بذلك الصعيد نفسه ، ووجود بعض الفوارق الطفيفة التي لم يتأثّر بها ثقة الإسلام ، ولم تنعكس على ثقافته - بحكم ابتعاده عن بيئتها - كالذي حصل في الأندلس ، والمغرب العربي ، ومصر ، واليمن ، وما وراء النهر ؛ لا يبرّر تناولها في عصره السياسي والفكري ، وكذلك الحال بالنسبة إلى المدن والحواضر العلمية التي زارها ومرّ بها ، وهي من توابع الري ، أو قريبة من بغداد ؛ للسبب المذكور نفسه ، سيّما بعد حصر منابع ثقافته وتطلّعاته في موطنه ومكان إقامته ، وانطلاق شهرته إلى العالم الإسلامي منهما لا غير . ففي الريّ تلقّى الكليني علومه الأولى ، وثقافته ، حتى صار شيخ الشيعة بالريّ ووجههم . وفي بغداد انتهت إليه رئاستهم في عهد المقتدر باللَّه العبّاسي ( 295 - 320 ه ) ، وأصبح فيها القطب الذي تدور على محوره رحى أحاديثهم .