السيد ثامر العميدي
10
حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني
السلطة ، الأمر الذي يفسّر لنا خلوّ عهد أبي العبّاس السفّاح ( 132 - 136 ه ) من التلطّخ بدماء الطالبيين ، بخلاف عهد أخيه المنصور ، ومن جاء بعده . ومن هنا وجد الإمام الصادق عليه السلام الفرصة النسبية سانحة لإنطلاقه في أرحب الميادين ، ولهذا نجد اسمه الشريف يتردّد على ألسنة الرواة ، والمحدّثين ، والمفسّرين ، والفقهاء ، والمتكلّمين وغيرهم أكثر من سائر الأئمّة الآخرين عليهم السلام ، كل ذلك نتيجة لتلك الفترة القصيرة التي تمكّن فيها الإمام الصادق عليه السلام من صياغة الفكر الإسلامي وتجديده على أثر ما مني به على أيدي أعداء الدين من الأمويين والعبّاسيين ، وغرسه في النفوس غضّاً طريّاً ، ونقياً صافياً ، لم تشبه سفاسف التأويل ، ولم تختلط به أضغاث الأباطيل ؛ فكان بحقّ ذلك الرجل الفذّ ، والعبقري الفرد الذي أعاد للإسلام نضارته وروحه كما كان في أوّل عهده ؛ حيث ثبّت قواعده على أقوم الأسس وأرسخها ، وقاد حملة الوعي الفكري والعقائدي على أوسع نطاق ، واشتهرت جامعته الإسلامية الكبرى في كلّ الآفاق ، وقد وقف التاريخ على أعتاب قدسها ليسجّل لنا وبأحرف من نور كثرة الوافدين إليها من كلّ فجٍّ عميق . قال الحسن بن علي بن زياد الوشّاء أحد أصحاب الإمام الرضا عليه السلام ، ومن وجوه الإمامية وثقاتهم في عصره ، يصف كثرة المحدّثين الذين نهلوا من علم الإمام الصادق عليه السلام ، قال : « . . فإنّي أدركت في هذا المسجد - يعني : مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ ، كل يقول : حدّثني جعفر بن محمّد » « 1 » . وقد قُدِّر لبعض تلامذة الإمام الصادق عليه السلام أن يكونوا قادة لمذاهب إسلامية معروفة لم تزل قائمة إلى اليوم . وهكذا رفع الإمام الصادق عليه السلام لواء العلم ، ونادى بشعار التدوين عالياً ، وهتف بطلّاب جامعته الكبرى قائلًا :
--> ( 1 ) . رجال النجاشي : ص 40 الرقم 80 ، في ترجمة الوشّاء .