الشيخ السبحاني

16

التوحيد والشرك في القرآن الكريم

الرابعة : التوحيد في التشريع والتقنين : لا يشك عاقل في أنّ حياة الإنسان الاجتماعية تحتاج إلى قانون ينظّم أحوال المجتمع البشري وأوضاعه ويقوده إلى الكمال الذي الذي خلق له ، ( والكل ميسَّر لما خلق ) . غير أنّ القرآن الكريم لم يعترف بتشريع للبشرية سوى تشريع اللَّه سبحانه ، ولا قانون سوى قانونه ، فهو يراه المشرّع الوحيد الذي يحق له التقنين خاصة ، وغيره المنفِّذ للقانون الإلهي المطبِّق لتشريعه . وقد وردت في هذا الصدد آيات في الذكر الحكيم نكتفي بذكر قسم منها : « ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ الّا أسْماءً سَمَّيْتُموها أنْتُمْ وَآباؤكُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا للَّهِ أمَرَ الّا تَعْبُدوا إلّا إيّاهُ ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لايَعْلَمون » ( يوسف - 40 ) . فالمراد من حصر الحاكمية على اللَّه هو حصر الحاكمية التشريعية عليه سبحانه ، فالآية تهدف إلى أنّه لا يحق لأحدٍ أن يأمر وينهى ويُحرّم ويُحلّل سوى اللَّه سبحانه ، ولأجل ذلك قال بعد قوله : « إنِ الحُكمُ إلّا للَّه » : « أمَرَ ألّا تَعبُدوا إلّا إيّاه » . فكأنّ أحداً يسأل عن أنّه إذا كان الأمر مختصاً به سبحانه فماذا أمر اللَّه في مورد العبادة فأجاب على الفور : « أمَرَ ألّا تَعْبُدوا إلّا إيّاه » . وقال سبحانه : « أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكماً لِقَومٍ يُوقِنون » ( المائدة - 50 ) .