سعيد أيوب
43
معالم الفتن
سبحانه جعل الدنيا لما بعدها . وابتلى فيها أهلها . ليعلم أيهم أحسن عملا . ولسنا للدنيا خلقنا . ولا بالسعي فيها أمرنا . وإنما وضعنا فيها لنبتلي بها . وقد ابتلاني الله بك وابتلاك بي . فجعل أحدنا حجة على الآخر . فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن . وطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني . وعصبته أنت وأهل الشام بي . وألب عالمكم جاهلكم . وقائمكم قاعدكم . فاتق الله في نفسك . ونازع الشيطان قيادك . واصرف إلى الآخرة وجهك . فهي طريقنا وطريقك . واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة تمس الأصل . وتقطع الدابر . فإني أولى لك بالله ألية غير فاجرة . لئن جمعتني وإياك جوامع الأقدار لا أزال بباحتك " حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين " ( 1 ) . لقد أخبره أن الله جعل الدنيا طريقا إلى الآخرة . وابتلى فيها أهلها أي اختبرهم ليعلم أيهم أحسن عملا ، وأخبره بأن الإنسان لم يؤمر بالسعي في الدنيا لها . بل أمر بالسعي فيها لغيرها . وكشف له الحقيقة التي يدثرها شعار قميص عثمان فقال : " فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن " أي تعديت وظلمت ومن هذا الظلم قولك : " أنا ولي عثمان " . وعلى طريق الظلم ألزمتني بما لم تجن يدي ولا لساني . وحرضتم الناس على هذا . ولم يلتفت معاوية إلى الحجة . وظل يتاجر بقميص عثمان فأرسل إليه الإمام رسالة قال فيها : فسبحان الله . ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة ، والحيرة المتبعة . مع تضييع الحقائق واطراح الوثائق : التي هي لله تعالى طلبة . وعلى عباده حجة . فأما إكثارك الحجاج على عثمان وقتلته . فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك . وخذلته حيث كان النصر له ، والسلام " ( 2 ) . ولقد رأينا كيف تثاقل معاوية عن نصرة عثمان ، وفي هذا التخاذل والتثاقل يقول البلاذري وهو المعروف بالثقة والضبط " وإنما صنع ذلك معاوية ليقتل
--> ( 1 ) ابن أبي الحديد 98 / 5 . ( 2 ) ابن أبي الحديد 784 / 4 .