أبو علي سينا

مقدمة 24

الشفاء ( الإلهيات )

ومنها القحط والجدب « 1 » . وكم يذكرنا هذا بتلك القسمة الثلاثية التي قال بها ليبنتز بعده بنحو سبعة قرون ، وتقوم على تقسيم الشرور إلى ثلاثة أقسام : طبيعية ، وأخلاقية ، وميتافزيقية « 2 » . وإذا كان الشر موجودا ، فكيف نوفّق بينه وبين عناية اللّه وخيرية العالم ؟ هذا ما أجهد ابن سينا نفسه في توضيحه ، ملاحظا أن هذه الشرور لا تتنافى مع العناية في شئ . ذلك لأنها طفيفة وجزئية ، فلا توجد إلا فيما تحت فلك القمر ، أما عالم السماوات فخير كله ، ولا جدال في أن عالم الأرض أصغر بكثير من عالم السماء . على أن الشرور الأرضية نفسها محدودة ، فهي لا تصيب إلّا أشخاصا وفي أوقات معينة ، في حين أن الأنواع محفوظة والفرد لا أهمية له بجانب النوع « 3 » . وهناك شرور ظاهرية ، أو إن شئت نسبية ، ليست شرا في ذاتها ، كالجهل بالفلسفة أو الهندسة يكون شرا بالنسبة لأناس ، ولا ضير فيه على آخرين « 4 » ، وكالنار تكون شرا إن أحرقت الناسك الفقير ، وخيرا إن ساعدت على نضج الطعام « 5 » . وهناك شرور صغيرة توصل إلى خير محقق ، وتقى من شر أعظم ، وكثيرا ما تحدثوا عن أخف الضررين وأهون الشرين ، دون أن يتعارض هذا مع كمال الكون وصلاحه « 6 » . ووجود هذه الشرور لا يعنى أنها غير مرادة ، فإن الحكمة فيها واضحة والمصلحة منها ظاهرة ، ولا غضاضة مطلقا من دخول الشر في القضاء الإلهى « 7 » . ولن يحول دخوله دون القول بخيرية العالم ، لأن أكثريته في جانب الخير ، وليس في الإمكان أبدع مما كان « 8 » .

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 415 . ( 2 ) Leibnitz , Theodicee , I Partio . 21 . ( 3 ) ابن سينا ، الإلهيات ، ج 2 ، ص 417 . ( 4 ) المصدر السابق . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 420 . ( 6 ) المصدر السابق ، ص 418 . ( 7 ) المصدر السابق ، ص 421 . ( 8 ) المصدر السابق ، ص 420 ؛ جميل صليبا ، الكتاب الذهبي ، ص 190 - 199 .