إبن سهل الطبري

53

فردوس الحكمة في الطب

من الجنس مثل الطاؤوس والفهد ( وابن عرس ) وربما كان ذلك من المرعى والتربة فإنها تتغير بها الألوان ، فاما انا فاني أظن أن علة ألوان الدواب والطير ان المزاجات التي تجتمع في زروعها يدافع كل مزاج منها الاخر ، كما يدافع الماء النار إذا اجتمعا فتنتشر قواها لذلك في ظاهر البدن وباطنه وينصبغ الجلد بذلك على قدر ما يجري اليه من تلك المزاجات ، ويسود بعض الجلد ويبيض بعض ويحمر بعض أو يصفر ، ويتركب من امتزاج بعضها ببعض ألوان لا تحصى ولا تحاط بها علما ، وانما قالت الفلاسفة في ذلك وغيره بقدر ما بلغته عقولهم ، وبقيت من ذلك دقائق لا يعرفها الا خالقها ، فاما شعر الانسان فإنه ما دام يجد رطوبة دسمة فإنه يكون قويا " وان قلت تلك الرطوبة أو رقت " ( 1 ) ذهب الشعر من مقدم الرأس لان مؤخر البدن أصلب من مقدمه ، وما صلب من الأرض أيضا كان نبته أقوى وأبقى ، وقال الفيلسوف ان الصلع ربما كان من ادمان العمائم فتذيب تلك الرطوبة التي في أصول الشعر فتجف أصوله ، وربما كان ذلك من الجماع لان الدماغ بارد رطب والجماع يزيده بردا ، وربما دام سواد الشعر لاعتدال منبته وقوة ما يأتيه من الغذاء وربما اسود بعد بياضه ، " ولقد كان في جواري بسر من رأى امرأة ذكرت انه قد أتى لها مائة وعشرين سنة ونبتت أسنانها بعد أن سقطت واسود شعرها بعد البياض ، " وخبرني غير واحد انهم جربوا لحفظ السواد شيئا عجيبا وان آباءهم جربوا ذلك من قبل فبقي سواد شعورهم إلى آخر أعمارهم ، وهو ان توخذ كل يوم من أيام السنة هليلجة كابلية سوداء على الريق ويلوكها حتى لا يبقى على نواها شئ ، " يفعل ذلك سنة تامة " ( 2 ) في كل يوم إهليلجة فإنه لا يشيب ،

--> ( 1 ) " فان رقت تلك البخارات وضعفت " ( 2 ) ( يداوم فعل ذلك )