إبن سهل الطبري
48
فردوس الحكمة في الطب
الباب الثالث عشر في علة انتصاب الناس من " بين " ( 1 ) سائر الحيوان وانفصال اليدين والرجلين " وتشبيه الناس بالعالم الأكبر ، " ( 2 ) العلة في ذلك أن تركيب الانسان وطبعه أشد اعتدالا من جميع الحيوان ولذلك صار قاهرا لغيره ومدبرا له " بالمنظر " ( 3 ) والحيل والرفق ، وله مع هذا النفس الناطقة والعقل والاستطاعة التمييز ، فهو يستطيع ان يختار الخير و " يسترذل " ( 4 ) الشر ، وله " التدرب و " الترفق في الآداب والصناعات ، وليس ذلك لغيره من الحيوان ( الا لبراعه ) وفيه مع هذا اجزاء فاضلة من اجزاء الطبيعتين الفاعلتين ، فالنارية ترفعه إلى فوق وتنصب بدنه ، فاما انفصال الأطراف فان لكل زرع ومادة تقع في الرحم قوة وقدرا من الاقدار قليلا " كان ذلك " أو كثيرا رطبا أو يابسا ، فإذا امتدت مادة الزرع في الرحم على قدر قوتها وقفت عند ذلك لان المادة قد انتهت فينفصل حينئذ الجسم من أسفله بشقين ( ويتفرع من أعلاه اليدين ) وتنشعب في أطراف اليدين والرجلين الأصابع كما تنشعب من الشجرة أغصانها ( وتنسطح عليهما الأظفار عرضا لئلا تمتد بالعضل ) وهذا القول شبيه بما قال " هيو فقراط " ( 5 ) في علة أعضاء الجنين ، فاما علة انفصاله بشقين فان ذلك لما فيه من اثر الطبيعتين الفاعلتين ، وهذا الانقسام والانفصال موجود بتدبير الله جل ثناؤه في كل بدن وحبة وثمرة وفي كل عضو مثل اليدين والرجلين والعينين والاذنين والكبد والرية وغير ذلك ، والشق الأيمن من كل شئ أحر وأقوى " وأكرم من شماله " والشق الأيسر أبرد واضعف ، وكذلك أعلى البدن ( وأعلى
--> ( 1 ) " دون ( 2 ) وكيف شبه الناس بالعالم الأصغر " . ( 3 ) بالنطق " . ( 4 ) " يتوقى " . ( 5 ) هيوفقراطس " .