إبن سهل الطبري
28
فردوس الحكمة في الطب
كان من بينهما الأشياء على قدر تمازجها ومقاديرها فيكون الحيوان من المادة الأرضية التي فيها قوة فاضلة من قوى الخفيفتين ، ولذلك تحركت الحيوانات حركة مكانية من موضع إلى موضع ، وكان الشجر والنبت من المادة التي غلبت عليها قوة الثقيلتين ، فلذلك لزمت الأشجار أماكنها من الأرض ولم تتحرك حركة مكانية لكنها تجذب الغذاء إلى أنفسها بالعروق التي هي لها بمنزلة الأفواه للحيوان ، وتولدت الأصداف من المادة المتوسطة بين الخفيفتين والثقيلتين ، فهي تشبه لذلك الحيوان بحسها وتشبه الأشجار بلزومها مواضعها ، فكل شئ من الحيوان يشتاق إلى أصله ويكون فيه ويعيش منه ، فاما الحيوانات التي تغلب عليها الأرضية فإنها تأوى إلى بطون الأرض وتعيش فيها ، والمائية تاوي إلى الماء وتعيش فيه والهوائية تحب الهواء وتعيش فيه ، ولأجل ذلك تركن إلى المواضع الشاهقة والشجر المشرفة وسأذكر ذلك جميعه في أبوابه على ما قالته الفلاسفة ، فاما علة القرون والأظلاف فأقول ان من الدواب دواب دائمة الارتعاء والأكل ، ولجسمها حصافة شديدة وتجتمع فيها لذلك رطوبات كثيرة ، وتحتبس حرارتها في أجسامها لحصافة الأجسام ، وتلك الحرارة تدفع إلى رؤوسها الرطوبات الغليظة فتطلع عند ذلك منها القرون ، والدواب التي لها القرون لا تنبت لها أسنان في فكها الأعلى ، لان المادة التي منها تنبت الأسنان ترتفع فتصير منه قرون ، وما تنزل من تلك الرطوبات الغليظة إلى أسفلها كان منها الحوافر والأظلاف التي هي بمنزلة الأظفار ، وعلة انشقاق الظلف كثرة يبسه عن الحافر . قد قلنا إن من شان اليبس تفريق الاجزاء ومن شان الرطوبة الجمع ، مثل الدقيق الذي يجمع الماء اجزائه فيصير عجينا ، فاما سباع