السيد أحمد الحسيني الاشكوري
59
في رحاب الولاء
* أودّ في هذه المناسبة أن أصوّر عيشة أحد شيوخ المدرسين المرموقين في الحوزة مع أن هذا خارج عن خطتي في كتابة هذه الرحلة ، هو المغفور له الشيخ محمد علي الأفغاني الذي كان مدرساً في مرحلتي « المقدمات » و « السطوح » ، وكثير من الفضلاء والمحصلين تعلموا في حلقات درسه وتخرجوا عليه في هاتين المرحلتين وكان لي شرف المشاركة في كثير من دروسه . كانت عائلته كبيرة وعليه أن يوفّر لهم وسائل العيش بالمقدار الممكن بالإضافة إلى خمسة دروس كل يوم أو أكثر يلقيها على تلامذته ، فكان يقضي ساعات فراغه من الليل والنهار في خياطة القلانس ( العرقچين ) مع بعض عائلته ، وهو مع اشتغاله بالتدريس والخياطة ومعاناته العمل الدائب كان لا يخلو من مرح في أخلاقه وسعة صدر مع طلابه كأنه متوفَّر العيش مكفي المؤنة ليس بحاجة إلى معاناة تحصيل القوت لعائلته الكبيرة . التعرّف على أحوال مثل هذا الشيخ من الأساتذة القانعين بأقل من اليسير في بعض الأحوال ، يدفع التلميذ إلى التفرغ للتحصيل والإخلاص في أخذ العلم وعدم الانصراف إلى إضاعة الفرص في الشؤون المادية . كان الطلاب الشيوخ والشباب كلما يجتمع اثنان منهم أو أكثر - حتى إذا كان جلوسهم للاستجمام والاستراحة من عناء الدرس أو التدريس أو كتابة ما تلقوه من أساتذتهم - كان مجلسهم مجلس بحث ومناقشة علمية ، ولذا كان الفاضل منهم معروفاً بالفضل والعاطل مشهوراً بقلة العلم ، من دون امتحان صوري متداول