عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

66

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

سياسة ظالمة ، فلم يستطع ملوك الحيرة آنذاك أن يطبّقوا سياسةً عادلةً وأن يتحكموا في زمام الأمور ، فأدّت هذه السياسة المجحفة إلى نقمة تلك القبائل وعداوتها . والشاعر العربي - كلسان قبيلته - حمل على عاتقه مهمّة التصدّي والتحدّي لهؤلاء الملوك بالكلمة التي هي أشدّ وقعاً من السيف ، فكان شعره يُعرَف بهجاء الملوك ، وهو يعكس في هجائه « كراهيّته للملوك ورفضه لاستبدادهم ، أو لكي يُرجع أصداء نفسه التي آلمها ما كان يثقل هؤلاء الحكام به كواهلهم من حروب وضرائب وما كانوا يعانونه تحتهم من وطأة الاستغلال والغدر من شدة بطشهم » . « 1 » وتبقى السياسة الظالمة وغير الحكيمة وتعسّف الملوك واستبدادهم السبب الوحيد لتصدّي الشعراء وثورتهم في وجوه الملوك ساعين بذلك إلى إبراز سلبيّات هذا الحكم وما نتج عنها من تشتّت فيما بين القبائل . فعلى الرغم من دخول بعض الشعراء إلى بلاط الحيرة والشّام مثل طرفة بن العبد ، وحسّان بن ثابت ، وعلقمة الفحل ، وعديّ بن زيد ، لم يصل إلى أيدينا من شعرهم المرتبط بالهجاء السياسي خلال الجاهلية شئ يذكر إلّا ما تسرّب إلينا من هجاء المتلمس في المناذرة وهجاء الأعشى ضدّ كسرى والفرس . ويحسن أن نقف قليلًا عند مقطوعةٍ شعريةٍ قيلت في هاتين الإمارتين حتّى يرى القارئ مقدار انطباق الهجاء السياسي عليها ، وليس صاحب هذه المقطوعة إلّا المتلمّس . كان المتلمّس يتردد على بلاط عمرو بن هند ملك الحيرة ويمدحه ، وكان ابن أخته طرفة ملازماً لقابوس بن المنذر شقيق الملك وولىّ عهده ، وكان هذا يصحبهما إلى الصيد ولكنه كان يتعسف بهما إذ يرتهنهما على بابه ، ولم يطق هذان الشاعران المتمردان مصيرهما البائس على باب الملك ، فهجياه بأبيات أبلغها السعاة إليه . هجا المتلمس عمرو بن هند في قصيدته الهجائيّة التي مطلعها : « 2 »

--> ( 1 ) - الشطي ، عبد الفتاح عبد المحسن . شعراء إمارة الحيرة في العصر الجاهلي ، دار الطباعة والنشر ، القاهرة ، 1998 م ، ص 404 . ( 2 ) - الأصمعي ، عبد الملك بن قريب . الأصمعيات ، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون ، الطبعة 7 ، دار المعارف ، القاهرة ، 1992 م ، ص 33 .