عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

62

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

سياسيّاً . « 1 » لابدّ أن نعرف أنّ القبيلة قبل الإسلام كانت بمنزلة الوطن عند العربي ، فهو يعيش في ظلّها ويدافع عن شرفها ومكارمها ويذود عن حياضها . ونرى القبيلة أحياناً كثيرة تتحالف مع قبيلة أو قبائل أخرى فيكوّنون من مجموعة القبائل جبهةً أو وطناً ، غير أنّ المفهوم السياسي لهذه الجبهة وذاك الوطن لم يخرج من حدوده الضيّقة لأنّ « وطنيّة البدوي وطنيّةٌ قبَليّة لاوطنيّةٌ شعبية » « 2 » ولأنّ مفهوم الوطنية قد وقف عند الانتصار والفشل ؛ والسبب الرئيس يعود إلى كثرة الحروب والغارات التي كانت تتوالى لضرورة العيش والحياة وضيق السبل والوسائط وقلّة المال والغذاء والمرعى . كان رؤساء القبائل يلعبون دور القادة والزعماء في عالم السياسة ، فهؤلاء كانوا يجلسون على منصّة المحادثات فيما بينهم ، ويعلنون الحروب إذا اقتضتها الظروف ، وأفراد القبائل مطيعون لما يرسمه رئيس القبيلة . وكان الشعراء لسان القبيلة الناطق يقاتلون ويحاربون بأشعارهم كما يحارب أفراد القبيلة بسيوفهم ورماحهم ؛ وكانت قوّة السياسة عند الشاعر خلال الأزمات تتجلّى في شدّة محافظته للأنساب والأحساب ؛ لأنّه يصرّف لسانه فيها فيتناول عدوّه وينزل به أشدّ النكبات فلذلك كان الشاعر لسان السياسة في القبيلة . إنّ الطبيعة المسندة إلى الشعر في العصر الجاهلي ، والتي أعطت الشاعر مشروعيةً بوصفه لساناً للقبيلة ، أدّت إلى اتفاقية اجتماعية غير مكتوبة بين القبيلة والشاعر ، فأصبح الشعر صحيفة القبيلة . يقول أبو عمرو بن العلاء « كان الشاعر في الجاهلية يقدَّم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيّد عليهم مآثرهم ويفخِّم شأنهم ، ويهول على عدوّهم ومن غزاهم ، ويهيب من فرسانهم ويخوّف من كثرة عددهم ويهاب شاعر غيرهم فيُراقب شاعرهم » « 3 » .

--> ( 1 ) - انظر : الحاوي ، إيليا . فنّ الهجاء وتطوره عند العرب ، دار الثقافة ، بيروت ، 1998 م ، ص 35 . ( 2 ) - أمين ، أحمد . فجر الإسلام ، الطبعة 1 ، دار الشروق ، 2009 م ، ص 35 . ( 3 ) - الجاحظ ، البيان والتبيين ، ج - 1 ص 151 .