عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
303
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
استهلّ الشاعر قصيدته ببيان ما يجيش في صدره من الكآبة والحزن ، وأعلن أنّه بات ليله منطوياً على جمرات النّار ، وهذا أسلوب جديد في شعر ديك الجنّ السياسي : أصْبَحْتُ جَمَّ بَلابِلِ الصَّدْرِ * وَأبِيتُ مُنْطَوِيَاً عَلَى الجَمْرِ إنْ بُحْتُ يَوْمَاً طُلَّ فِيهِ دَمِي * وَلَئِنْ كتَمْتُ يَضِقْ بِهِ صَدْرِي فالشاعر يتحدّث في هذين البيتين عن هواجسه ويرى نفسه أمام خيارين اثنين : إمّا أن يبوح بسرّه الكامن بين أضلاعه فحينئذٍ يراق دمُه دون أن يثأر له وإمّا أن يكتم سرّه فعند ذلك يزداد قلقاً واضطراباً . ولمّا كان ديك الجنّ يرى خلافة الأمويين والعباسيين نتيجةً لاغتصاب الخلافة فكان من الطبيعي أن تكون إراقة الدّم بانتظار من تتحدث نفسه عن ذلك الأمر . ونراه يوجّه هجائه إلى عمر وأبي بكر قائلًا : مِمّا جَنَاهُ عَلَى أبِي حَسَنِ * عُمَرٌ وَصَاحِبُهُ أبُوبَكرِ وبهذا البيت بلغ ديك الجن ذروة هجائه السياسي إذ شبّه مسألة اغتصاب الخلافة بالجناية ، وأىّ جناية أكبر من اغتصاب مستقبل المسلمين ؟ كما أنّه شبّه المغتصبين بالجاني . والملاحظة الهامّة التي نراها في هجاء ديك الجنّ أنّه استخدم في هجاء الخلفاء الراشدين لغةً صريحة وهذا عكس ما رأيناه عند السيّد الحميري الذي لم يكن يذكر الخلفاء الراشدين باسمهم ، بل كان يتحدّث وراء سّتار ، وكان يتحدث عن قبائلهما وإن كان المتلقي يدرك بوضوح أنّه يقصد أىَّ شخصٍ . « والشيعة حين تطالب بأحقيّة عليّ بالإمامة تطالب بها على أساس ديني محض ، فعلىّ في نظر الشيعة كان هو الأفضل وهو الأحق بها من غيره ولا يحق لأحد أن يسبقه إليها ، لأنّ هذه الإمامة جاءت بالنص والتعيين وليست بالاختيار ، وما دام الرّسول قد نصّ عليها فيجب أن يتسلّمها ، ومن حاول أن يتجاوز عليها يعدّ كافراً ضالّاً وعلى هذا الأساس كفر الشيخين لأنّهما قد اغتصبا الخلافة من عليّ اغتصاباً » . « 1 » وفي الأبيات التالية تناول ديك الجن أيّام حياة النّبيّ الأخيرة وما حدث في تلك الأيّام من
--> ( 1 ) - أبو حاتم ، ص 141 .