عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
279
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
شيئاً . كما أبنّا آنفاً أنّ الشاعر قصد أن يقارن بين قبر الإمام الرضا عليه السلام وقبر هارون الرشيد ، ونراه استخدم صوراً تضمينية واستدلالية في الحصول على غرضه الأصلي ، أمّا الصورة التضمينية فتتمثّل في البيت الأخير : هيهات كلّ امرئ رهن بما كسبت له يداه حيث ضمّن الشاعر لفظاً ومعنى الآية القرآنية التالية كلُّ امْرئٍ بِما كسَبَ رَهِينٌ « 1 » وأمّا الصورة الاستدلالية فتتمثّل في قوله : ما ينفع الرجس من قرب الزكيّ - ولا على الزكيّ بقرب الرّجس من ضرر . ونرى أنّ الشاعر حصل على ما أراد تصويره ونجح لأنّ « نجاح هذه الصور يتجسّد في ركونها إلى الاستدلال القائم على أنّ تجاور قبرين يفترقان في هويّتهما إيجاباً وسلباً ، لا يعني تماثلهما من جانب ، كما لا ضرر على ذلك من جانب آخر ، وهو استدلال فنّي ممتع كلّ الإمتاع دون أدنى شك ، ما دام الهدف هو إبراز الحقيقة التي تشير إلى الفارقية بين الإمام عليه السّلام وسلطان الدّنيا » . « 2 » وعكست في كتب التاريخ أصداء هذه الأبيات حيث ذكرت أنّ المأمون « ضرب بعمامته الأرض حين استمع إلى هذه الأبيات وفيها مقارنة بين الإمام الرضا عليه السلام ووالده الرّشيد وقال : صدقت . هذا يعنى أنّ الشاعر نجح فنيّاً من خلال الصورة الاستدلالية وسائر الصور التشبيهيّة والاستعارية والتضمينية التي وردت في هذه الأبيات ، وهو أمر يعود من جانب إلى الصدق الموضوعي في هذه الصّور ثمّ الصدق الفنّي من جانب آخر ، حيث يضطرّ حتّى العدوّ إلى التسليم بالحقيقة التي أفرزها التعبير الفني لدى هذا الشاعر » . « 3 » الطابع القصصي يضيف دعبل الخزاعي في هجائه السياسي أسلوباً جديداً إلى صنعته الفنيّة يدخل في إطار قصصيٍّ وفي هذا الأسلوب « يتولى الشاعر نقل ما يجري بمفرده ، ولا تخرج لغة الخطاب من
--> ( 1 ) - الطور ، الآية : 21 . ( 2 ) - البستاني ، محمود ، ص 524 . ( 3 ) - السابق ، ص 525 .