عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
270
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
وَهَكذا يَرْزُقُ أصْحَابَهُ * خَلِيفَةٌ مُصْحَفُهُ البَرْبَطُ « 1 » قَدْ خَتَمَ الصَّك بِأرْزاقِكم * وَصَحَّحَ العَزْمَ فَلَمْ تُغْمَطُوا بَيْعَةُ ابْراهِيمَ مَشْؤُومَةٌ * تُقْتَلُ فِيها الخَلْقُ أوْ تُقْحَطُ فبمثل هذه الأبيات الخفيفة الطريفة التي تثير ضحك الناس ، وتقوّي من استهانتهم بالنظام القائم ، وتسير على ألسنتهم لخفّتها وسهولتها وطرافة معانيها وسطوع موسيقاها ، كان يحرّض الناس على الخلافة . تعدّ هذه المقطوعة من أجمل سخريات دعبل اللاذعة حيث يصوّر الجنود والنّاس يطالبون برواتبهم من الخليفة المغنّي ( إبراهيم بن المهديّ ) قبل أن يتنازل عن الخلافة للمأمون . أصيبت الدولة زمن خلافته بعجزٍ مالي فاجتمع الناس والجنود والضباط أمام القصر وهم يطلبون رواتبهم ، وظهر مندوب الخليفة قائلًا لهم إن الخليفة ليس عنده مال يدفعه لكم . فالشاعر أراد أن يقول إن الذين اجتمعوا ، قد رضوا بأن يغنّي الخليفة لهم بدلًا من أن يدفع لهم رواتبهم . وقد ركز الشاعر في الأبيات السابقة على المفارقة البارزة . و « ما من شك في أن للصورة الفنية الساخرة في شعر دعبل قيمة وهدفاً فلم تكن حشواً ولا هزلًا خالصاً ، بل كانت تساعد على تجديد النشاط وتوليد الشعور السليم وإزالة الانقباض وتجديد الراحة وتزيل التوتر والانقباض وتشرح الصدور وتقوّم الأخلاق ، تحافظ على التقاليد وأوضاع المجتمع وتصحيح الإعوجاج وتربي ملكة النقد وتوقظ التنبه إلى الأخطاء وتجسيم النقائض ليضحك الناس من كلّ ما يلحظون فيه مخالفة للمألوف » . « 2 » بدأت سيطرة الأتراك على زمام الأمور منذ بداية خلافة المعتصم وهؤلاء عاثوا في البلاد عيثةً ، فنرى دعبلًا لم يسكت أمام هذا الأمر بل نظم اشعاراً كثيرة فيه ، لعلّ ما نذكره أصدق وصف لتلك الحالة التعسة التي مرّ بها الخلفاء العباسيون . فنرى الشاعر يشير في قصيدة له تبلغ اثنى عشر بيتاً إلى ما بيّناه سابقاً
--> ( 1 ) - المعبديات : نسبة إلى معبد المغنّي المشهور . ( 2 ) - عويضة ، ص 177 .