عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

225

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

فيما بعد لزلزل والمارق ، وكلهم من مغني ذلك العصر ، وقد استمدّ الشاعر جرأته من تشيّعه وحبّه لآل البيت ، وهى دافع أساسي وراء هذه السخرية . ونرى دعبلًا يتناول تلك المسألة في مقطوعة أخرى ، وكأنّه يريد أن يحطم هيبة الخلافة العباسية ويقرنها بالعبث والفسق والانحلال ، ويحيل خلافة بني العباس التي زعموا أنّها جاءت لنصرة الدين خلافةً كتابها المزهر والبربط . اسمعه يقول : « 1 » يا مَعْشَرَ الأجْنَادِ لاتَقْنَطُوا * وَرْضَوا بِمَا كانَ وَلا تَسْخَطُوا « 2 » فَسَوْفَ تُعْطَوْنَ حُنَيْنِيَّةً * يَلْتَذُّها الأمْرَدُ وَالأشْمَطُ « 3 » وَالمعْبَدِيّاتُ لِقُوّادِكم * لا تَدْخُلُ الكيْسَ وَلاتُرْبَطُ « 4 » وَهَكذا يَرْزُقُ أصْحَابَهُ * خَلِيفَةٌ مُصْحَفُهُ البَرْبَطُ قَدْ خَتَمَ الصَّك بِأرْزاقِكم * وَصَحَّحَ العَزْمَ فَلَمْ تُغْمَطُوا بَيْعَةُ ابْراهِيمَ مَشْؤُومَةٌ * تُقْتَلُ فِيها الخَلْقُ أوْ تُقْحَطُ ولمّا وصلت القصيدة إلى الخليفة غضب على دعبل غضباً شديداً وأقسم لينتقمنَّ منه شرّ نقمة إن وجده لأنّه جعله في زمرة المغنّين الماجنين الفاسقين . لم يَخَف الشاعر من غضب الخليفة وكيف يخاف وهو لم يخف من كان أشدّ منه سطوةً . وقد استغلّ الشاعر هياج الجنود وغوغاء الرعية فنظم الأبيات المذكورة ، وروى عن إسحاق الموصلي أنّه قال : « أنشدني دعبل هذه الأبيات فوالله لاأرضى أن أكون خليفةً وتكون هذه الأبيات في حقّي » . « 5 » وقد روى صاحب الأغاني أنّ الجنود والرعية اجتمعوا حول قصر الخليفة يطالبونه بالمال فأحبس عليهم العطاء ثمّ خرج إليهم رسوله وهم في هياج فصرخ لهم بأنّ الخليفة لا يملك المال لإرضائهم فقال

--> ( 1 ) - السابق ، ص 219 . ( 2 ) - قنط : يئس . ( 3 ) - حنينية : أي ألحاناً حنينية نسبة إلى ( حنين الحيري ) المغنّي . الشمط : الشيب . ( 4 ) - المعبديات : نسبة إلى معبد المغنّي . ( 5 ) - ابن خلكان ، ج - 5 ص 248 .