عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

219

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

الذين عاصرهم » . « 1 » ولمّا ضاق المقام به في بغداد عاصمة السلطة العباسية إثر تضييق السلطة العباسية رأى أن يتركها ، فقال أبياتاً رائعة بعثها إلى المعتصم ونراه يتحسّر فيها على المصير الذي انتهت إليها بغداد أيّام خلافته إذ أصيبت بمصائب كثيرة وعمّت فيها الكآبة والحزن ، ولم تكن سامرّاء بأحسن حالًا من بغداد بل اشتدّ البؤس والفاقة فيها أيضاً . نحن نعدّ هذه الأبيات وليدة وطنية الشاعر التي أثارت غضبه . اسمعه يقول : « 2 » بَغْدادُ دارَ الملُوكِ كانَتْ * حَتّى دَهَاها الّذِي دَهَاها « 3 » ما غَابَ عَنْها سُرورُ مُلْكٍ * عَادَ إلى بَلْدَةٍ سِواها لَيسَ سُرُورٌ بِسُرَّ مَنْ رَأى * بَلْ هىَ بُؤسٌ لِمَنْ يَرَاها « 4 » عَجَّلَ رَبّي لَها خَرَابَاً * بِرَغْمِ أنْفِ الّذي بْتَنَاها لم يكتفِ دعبل الخراعى بهجاء المعتصم أيّام حياته بل وجّه سهام هجائه اللاذع إليه بعد موته ؛ كانت العادة عند الشعراء في العصر العباسي إذا مات خليفة وقام آخر ، يعزّون الخليفة الجديد بموت السابق ويهنّئونه بمنصبه . والتطور الذي حدث على يديه أنّه جعل ذلك معاكساً إذ هجا الخليفة الميّت وأعرب عن استيائه بقيام الخليفة الجديد ، وهذا ما نراه عند تولية الواثق الخلافةَ بعد المعتصم . لمّا مات وتولّى الواثق الخلافة نرى الشاعر يصوّر فراغ الخلافة من معانيها كلّها ، وإلى نفض الناس أيديهم منها وإدارة ظهورهم لها ، وهو أمضّ ما بلغ هجاؤه

--> ( 1 ) - عويضة ، ص 147 . ( 2 ) - دعبل الخزاعي ، الديوان ، ص 307 . ( 3 ) - دهاه - دَهواً : أصابه بداهية . ( 4 ) - سُرَّ من رَأى أو سامرّاء مدينة على دجلة فوق بغداد وعلى بعد ثلاثين فرسخاً منها ، بناها المعتصم سنة 221 ه بسبب اعتداء جيوش المعتصم على حرمات الناس وسعيهم بالفساد ، أنشأ المعتصم فيها القصور وثكنات الجيش وانتقل إليها وأخذت في التقدّم والتطور حتى أيام المستعين حيث دبّ فيها في أيّامه التناقض بسبب قوة شوكة الأتراك واستبدادهم بالملك ، وخربت المدينة ولم يبق منها إلّا الموضع الذي ضمّ ضريحي الإمامين العسكريين علىّ الهادي والحسن بن علي العسكري ( انظر : الحموي معجم البلدان 3 : 173 ) .