عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
197
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
موقف الشاعر من نكبة البرامكة ظلّ دعبل يتردّد على بلاط هارون الرشيد حتى سنة 187 ه وإلى أن حدثت نكبة البرامكة « 1 » في نفس السنة فآلمه ما أصابهم من فجيعة ، وكان يعلم أنّهم يعطفون على آل البيت ويؤيّدون حقّهم في الخلافة سرّاً . ولم تكن نكبة البرامكة الحادثة الوحيدة التي تألّم دعبل بها ، بل جرت أمامه حوادث مزعجة خلال فترة وجوده في البلاط ، ولكنّه كان يغمض عينيه على ما يراه ولا يتعرّض لشئ مخافة أن يعرف هارون الرشيد حقيقة أمره وأنّه شاعر يخفى التشيع . شهد دعبل مقتل يحيى بن عبد الله أخي إبراهيم ذي النفس الزكية الذي خرج على طاعة الخليفة ، فاستطاع رجاله من القبض عليه ، فقتلوه بعد أن كتب الخليفة له أماناً كما شهد في عام 183 ه استشهاد الإمام موسى الكاظم عليه السلام إثر مؤامرة من جانب هارون الرشيد . « 2 » لا نشك أنّ كلّ هذه الحوادث المؤسفة التي شهدها دعبل خلال وجوده في بلاط العباسيين كانت تزعجه وتؤلمه ، ولكنّه كان يحاول تجاهلها وعندما شهد نكبة البرامكة لم يستطع أن يتحمّل كلّ هذا ، فتحرّكت في نفسه العواصف الدينية ، فرثى البرامكة وبكى أيامهم تعبيراً عن حبّه لهم : « 3 » ألمْ تَرَ صَرْفَ الدّهْرِ فِي آلِ بَرْمَكٍ * وَفي بْنِ نَهيك وَالقُرُونِ التي تَخْلُو « 4 » لَقَدْ غُرِسُوا غَرْسَ النّخِيلِ تَمَكَّنَاً * وَما حُصِدُوا إلّا كما حُصِدَ البَقْلُ ونحن نرى في رثاء دعبل في البرامكة لوناً من التحدّي الصريح لسياسة هارون الرّشيد ، كما أنّه إعلانٌ للعصيان والتمرّد من قبل الشاعر ، ونراه لم يكتفِ بهذا بل أخذ يبكي ما حلّ
--> ( 1 ) - البرامكة جمع برمك من مجوس بلخ . كان جدّهم ( الموبذ برمك ) يخدم هيكلًا فيها وكان عظيم القدر حسن المعرفة بالفلك والطبّ والفلسفة ، أسلم أولاده ونالوا حظوة في الدولة العباسية إذ وزر ابنه خالد للسّفاح والمنصور ، كما وزر يحيى بن خالد للرّشيد وتولّى ابناه الفضل وجعفر الوزارة وظهرت دولة البرامكة وسقطت في نكبتهم ( انظر البلاذري أنساب الأشراف 1 : 545 ) . ( 2 ) - انظر : المسعودي ، مروج لاذهب ، ج - 3 ص 365 . ( 3 ) - دعبل الخزاعي ، الديوان ، ص 259 . ( 4 ) - وابن نهيك هو إبراهيم بن عثمان بن نهيك قتله الرشيد في السنة التي نكب فيها البرامكة .