عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

135

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

وَضَلَّ قَوْمٌ غَاضَهُم فِعْلُهُ * كأنَّما آنافُهُم تُجْدَعُ « 1 » حَتَّى إذَا وَارَوْهُ فِي قَبْرِهِ * وَنْصَرَفُوا مِنْ دَفْنِهِ ضَيَّعُوا مَا قَالَ بِالأمْسِ وَأوْصَى بِهِ * وَشْتَرَوا الضُّرَّ بِمَا يَنْفَعُ وَقَطَّعُوا أرْحَامَهُ بَعْدَهُ * فَسَوْفَ يُجْزَوْنَ بِمَا قَطَّعُوا وَأزْمَعُوا غَدْرَاً بِمولَاهُمُ * تَبَّاً لِمَا كانُوا بِهِ أزْمَعُوا « 2 » يهجو الحميري أولئك المغتصبين بأنّهم ضيّعوا رسالة الرسول الأعظم ( ص ) وبذلك اشتروا الضرّ بدلًا بالهداية ، ثمّ يهجوهم بقطع صلة الأرحام واستعمال الغدر والمكيدة . وأخيراً يهدّدهم بأنّهم يجزون من أجل ما عملوه ويدعو عليهم بالفناء . من الناحية الشكلية نجد أنّ الهجاء في الأبيات السابقة قام على البساطة في التعبير كما أنّه ابتعد عن المعاني الغريبة والأخيلة البعيدة والملائمات اللفظية من جناس وطباق ومقابلة ، ومن جانب آخر ملئت المقطوعة المذكورة بألفاظ ذات دلالة هجائيّة حادّة مثل : ضيّعوا ، اشتروا الضرّ ، قطّعوا أرحامه ، أزمعوا غدراً ، تبّاً . ونرى الشاعر حينما سأله سائل « ما لك لا تستعمل في شعرك من الغريب ما تُسأل عنه كما يفعل الشعراء ؟ قال : إنّي أقول شعراً قريباً من القلوب يلذّه من سمعه خير من أن أقول شيئاً متعقّداً تضلّ فيه الأوهام » . « 3 » وقول السيّد السابق يعدّ الدليل الحقيقي على ما سبق من حديث والبرهان القاطع في حكمنا على لغته في هجائه السياسي . والصفة البارزة في الهجاء السياسي عند السيّد الحميري وخاصّة في هجاء الخلفاء هي المباشرة والخطابة . هذه الصفة قد أدّت إلى أن تفقد المقطوعات والقصائد الهجائية كثيراً من جماليتها لأنّ الشاعر بصدد خطاب جماهيري يستعرض الظروف السياسية ويعالج واقع المجتمع الإسلامي عبر أبيات مقطوعته أو قصيدته ، فلذلك كان يهتم بالحدث أكثر من اهتمامه بالناحية الفنية كما أنه كان يحاول لفت أنظار الأُمة إلى حقيقة ما يدور في الساحة

--> ( 1 ) - الآناف : ج الأنف . تجدع : تقطع . ( 2 ) - تبّاً : من تبّ الشئ - تبّاً : انقطع . وتبّ فلانٌ : خسر وهلك . أزمعوا : أسرعوا . ( 3 ) - أبو الفرج الأصفهاني ، الأغاني ، ج - 7 ص 238 .