عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
115
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
ألا مَساعيرَ يَغْضَبُونَ لَها * بِسَلَّةِ البِيضِ وَالقَنا الذَّابِلْ « 1 » ولمّا سمع هارون الرشيد هذه الأبيات « غضب غضباً شديداً وقال للفضل بن الربيع ] وزيره [ أحضره الساعة ، فبعث الفضل رجاله في ذلك ، فوجدوه قد توفي . فأمر بنبش قبره ليحرقه ، فلم يزل الفضل يلطف له حتّى كفّ عنه » . « 2 » هذه الرواية تدلّ على أنّ الشاعر قد وفق فكريّاً وفنّيّاً في هجائه السياسي إلى حدٍّ يثور الخليفة عليه ويأمر بقتله ونبش قبره وإحراقه . ونرى شعراء آخرين لم يبلغوا فنّيّاً ونضجاً إلى درجة رفيعة في هجوهم السياسي ، بل وقفوا عند مواقف ضيّقة كانوا يأتون بها من حين إلى آخر وهذا ما نراه عند منصور بن سلمة بن الزبرقان الذي ترك الصراحة ولجأ إلى التعريض من بعيد ، وأنشد قصيدةً سبّبت امتعاض الرشيد فأمر بقتله . « 3 » وكثيراً ما ذكرت المصادر التاريخية والأدبية أشعاراً هجائية لبعض الشعراء في هذا العصر ، إلّا أنّها لم تذكر اسم أصحابها ونظنّ أنّهم كانوا من الشيعة أخفوا أسماءهم خوفاً من السلطة العباسية . كان من بينهم رجلٌ أعمى من أهل بغداد يدعى علي بن أبي طالب . « 4 » وقد اندفع بحدّة وجرأة ونقل ما يجري في السلطة العباسية من صراعٍ وفوضى ، فأشار إلى ظلم الحاشية للرعية ، وكشف عن المؤامرات التي تدور بين الأمراء والوزراء بعضهم ضد بعضهم ، وفي لفتةٍ ساخرة من الشاعر أدخل حَلّاق الوزير إلى إطار الحكم ، وأشركه في الصّراع الذي يدور ، وانتقد مبايعة الأمين لطفله الصغير قبل أن يفهم شيئاً عن الحياة ، يقول : « 5 » أضَاعَ الخِلافَةَ غِشُّ الوَزيرِ * وَفِسْقُ الأميرِ وجَهْلُ المُشيرِ لِواطُ الخَليفَةِ أُعْجُوبَةٌ * وأعْجَبُ مِنْهُ حَلّاقُ الوَزيرِ
--> ( 1 ) - مساعير : مفرده المسعار ، ما تُحَرَّك به النّار من حديد أو خشب . سلّة البيض : استلال السيوف . القنا : الرمح . الذابل : دقيق . ( 2 ) - أبو الفرج ، الأغاني ، ج - 8 ص 143 . ( 3 ) - انظر : المرزباني ، ص 86 . ( 4 ) - انظر : المسعودي ، مروج الذهب ، ج - 3 ص 433 . ( 5 ) - الطبري ، ج - 7 ص 7 .