الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
58
دايرة المعارف النجفية
ملة أو أقل أو أكثر وملتي من هذه الملل ملة عشقك في مذهبي أي أنها هي الصحيحة في مذهبي فكم من الفرق بين الترجمتين ؟ هذه ترجمة فارسي عربي فما ظنك بغيره مثل وديع البستاني وغيره من شبان العصر الذين ترجموها عن اللغات الإفرنجية فكانت مسخاً بعد مسخ ، ونسبتها من أصل رباعيات الخيام نسبة نبات الماء إلى نبات الصحراء أو خشفان الظباء ، وكانت عرضت علي قبل بضع عشر سنة تلك الترجمة فلم أجد فيها شيئاً من معاني الخيام فضلًا عن خصوصيات الأساليب والتراكيب ، على أن الترجمة لا يكفي فيها صرف المهارة في اللغتين واتقانهما ، بل لا بد من الإحاطة بنفسية الشاعر والعلوم والعقائد المسيطرة على عقليته وأطوار نشأته في حياته حتى يتوسل ويتوصل بذلك إلى حقيقة معانيه وأقصى مقاصده ، وقد كان الخيام كما المعت إليه فيلسوفاً حكيماً ، متصوفياً عرفانياً ، مشككاً موحداً طبيعياً قدرياً جبرياً ، ينكر المعاد تارة ، ويعترف به أخرى ، ينكر الصانع مرة ، ويعترف به غير مرة ، والحاصل أنه كل آن هو في شأن ، فالذي يريد أن يعبر عن مقاصده ، ويعرب عباراته ، يلزمه على الأقل الإلمام ، إن لم يكن الاطلاع التام بتلك العلوم والمعارف ، وكنت بفضله تعالى في مقتبل العمر قد صرفت أنفس نقد من أيامي على تحصيل تلك العلوم الباهرة وحصلت بتوفيقه تعالى على القدر الوسط منها الذي يسدّ الثغرة ، ويرأب الثلمة ، كما يعرف ذلك من نظر في مؤلفاتنا كالدين والإسلام والآيات البينات وغيرها ، وكان ولعي بها وشوقي إليها لذاتها وشرفها قبل أن أعرف الخيّام أو أسمع من رباعياته ، وبعد أن وقفت عليها ما كان يفوتني من معانيه إلا القليل ولكن ما صدني عن الخوض في تعريبها إلا ما أوعزت إليه من أن خصوصيات اللسان الفارسي والمزايا التي فيها اللذة والحلاوة يتعذّر أو يتعسر المحافظة عليها وأداؤها باللغة العربية - فإن جئت أيها الأديب البارع بما يشفي الغلة ، ويقوم بأكثر الغرض إن لم يكن بكله - فقد جئت بمعجزة من معجزات العلم تكون بها نبي الأدب في عصرك . ويخطر على بالي أني رأيت قبل بضعة أشهر في بعض صحف العاصمة مقالة للفاضل الشهير ، ( أحمد زكي باشا ) بسط فيها الكلام عن الترجمة وصعوبتها وتباعد المترجمين عن المعاني المقصودة وذكر فيها الخيام وحافظ الشيرازي ولا شك أنك وقفت عليها وليس الغرض من كل هذا البيان تهويلك وتخذيلك وأضعاف همتك ونشاطك كلّا بل