مهدي عابدي

20

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي

وها نحن اليوم في هذه الرّسالة المقتضبة نعود لنسلّط الضوء على هذا الرّجل الذي لم يتمتّع بالسعادة في حياته كما لم يكن حظّه بعد موته بأوفر من حظّه في حياته ، وبناءً على هذا فقد ظلّ مجهول الولادة ، مجهول الوفاة ، مغموراً خامل الذكر رغم كلّ ما أعطى ورغم كلّ ما قدّم . بعد هذه المدّة - ولو أنها ليست بالمديدة - التي قضيتها في البحث والنظر في مؤلّفات أبي حيّان أرى أنه أجدر بالدّراسة والتّقدير من أرباب الصناعة اللّفظية الّذين ذاع صيتُهم في حياتهم وبعد مماتهم وما زال الدّارسون يمنحون آثارهم الأدبية من العناية والبحث قسطاً وافراً وينظرون إليهم على أنهم زعماء مدرسة أو أصحاب طريقة في الكتابة كابن العميد وابن عبّاد والقاضي الفاضل ولسان الدين ابن الخطيب . والحقّ أنّ أباحيّان يَفضُل هؤلاء قاطبةً ويفضل أضرابهم من كتّاب الزّخرف والزّينة كبديع الزمان الهمذاني والحريري . يفضلهم بعدّة مزايا ولأسباب سنعرض لها ، حين نوازن بينه وبين كتّاب عصره . وحسبه أنّه كاتب يحفل بالفكرة وبالعبارة معاً وأنه يستلهم مشاعره وعواطفه ، كما أنه كان يعتمد على التأنّق والإفتنان وأنه قد جال بقلمه الفنّي في مضمار العلم والمعرفة ، فطوّع النثر للنّقل عن الثّقافة في تعبير من الأدب الرّفيع وبهذا أكمل ما بدأه الجاحظ من قبل . أمّا هؤلاء الأدباء - أي الأدباء المعاصرون له والمشار إليهم فيما تقدّم - فلم يكونوا كذلك ، لكنّهم نالوا من الشّهرة والمجد ما لم ينله أبوحيّان ، لأنّ بعضهم كانوا وزراء وكان لهم من نفوذهم السياسي ما أضفى عليهم هالة من المجد وأضاف إلى أدبهم تقديراً لايجدر به وذلك لأنّ الذوق الأدبي قد ضعف وانحرف منذ القرن الرابع ، فصار الأدب الرفيع هو المثقَلُ بالصّناعة والزّينة وإن كان خِلواً من العاطفة ، فقيراً إلى الفكرة ، تافه الموضوع . فكان هذا من أسباب غبن أبي حيّان وحرمانه المكانة التي تبوّأها أستاذه ومرشده الجاحظ من قبل . ولو أنّ عصره أنصفه ، ولو أنّ العصور اللاحقة أنصفتْه ، لكان مكانه الآن في الصدارة من كتّاب العربية الأفذاذ ولاحتلّ منزلة عالية في تأريخ الأدب العربي على مرّ الزمن وتعاقب الأجيال .