الشيخ رحيم القاسمي

408

درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف

قبر أستاذه . فدرس هناك مدة ، ثمّ في الجامع المعروف بالجامع الهندي ، وربما كان له مجلس درس آخر في داره يحضره خواصّ أصحابه ، وكنتُ والحمد لله منهم ، وقد حضرنا عليه فيها قطعة صالحة من كتاب البيع ومسألتي المشتق واللباس المشكوك وغيرها . وكان سقي الله رمسه قد فرّغ نفسه الشريفة للعلم والعبادة وتحامي الرئاسة . ولو شاء أن يكون مرجعاً للتقليد لرميت إليه منها المقاليد ، ولكنه لفظ الدنيا لفظ النواة ، ورماها رمي الحجيج الحصاة ، ورأي الاجتناب عنها أولى ، وأنّ الآخرة خير له من الأولي ؛ فسلك مسلك أجداده الأمجاد ، وعاش فيها عيش الزهاد . ما بني فيها داراً ، ولم يخلف عقاراً ، حتى أنه لم يكن له لمّا أدركناه خادم يخدمه ، بل كان يذهب إلي السوق بنفسه لشراء حوائجه ، والطلبة حافّون به ، يسألونه عمّا أشكل عليهم من درسه ، وهو واقف علي باب بعض الحوانيت . وكان مع ما منحه الله من الطبع الحرّ والإباء المرّ ، وذلك منه شنشنة هاشمية لا اخزمية ، وسجية علوية فاطمية ، في أقصي درجات حسن الخلق والتواضع والتعطف علي طلبة العلم ، وكانوا يختلفون إليه علي اختلاف طبقاتهم واختلاف مراتبهم ومآربهم . حتى أنّ الأصاغر منهم يقصدونه للسؤال عن بعض عبارات الكتب الابتدائية ، فيسمح لهم بالجواب ، ويلاطفهم في الخطاب ، وهو جالس في صحن داره علي التراب . ولم يزل لأبناء العلم كالوالد الشفيق ، وبيته كالبيت يحجون إليه من كلّ فجّ عميق . إلى أن وقف عمره علي ثنية الوداع ، وأذنت مزنة الفضّ بالإقلاع ، فظهرت في كفه الشريفة قرحة أقرحت منا القلوب والأكباد ، ووددنا أن نفديه منها بأرواحنا لا الأجساد ، وتولدت منها عوارض أخري . إلى أن لزم داره ، واستمرّ به المرض مدّة تقرب من شهر ، حتى قضي نحبه ، وجاور ربه في شهر ذي القعدة الحرام من شهور سنة 1316 . ولا تسأل عمّا جري في جنازته من العويل والبكاء ، وقد جرت عن العيون بدل الدموع الدماء ، ودفناه في إحدي حجرات الصحن الشريف . . . وكان قليل التصنيف جدّاً ، علي أنّي سمعت منه في الدرس يقول : إنّي لم أباحث قطّ