الشيخ رحيم القاسمي

27

درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف

ذكرنا ، والتوجّه إلي الفقراء والمساكين والغرباء والأرامل والأيتام والضعفاء بالبذل عليهم بذلًا جزيلًا وعطاء جميلًا ، حتى توهّم في حقّه عمل الإكسير والكيمياء . وكان حريصاً علي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات ، مصرّاً علي إعانة المظلومين وطلب الدماء بالقصاص وأخذ الديات ، ساعياً في إجراء الحدود والتعزيرات ، مراقباً لاحترام العلماء بل المحصّلين . وكلّما ذكر أحداً من العلماء الماضين قرن اسمه بالترحّم أو الترضّي أو الترفّع أو التعلّي ، مراعياً للأدب في معاشرته مع عموم الناس ، كلّ أحد بحسبه ورتبته . وكان مع عوائق الرئاسة وكثرة المشغلة في غاية التشرّع والورع والديانة ، وإني في مدّة ثلاثين سنة كنتُ في خدمته مشغولًا بالاستفاضة ، مصاحباً معه في أحوال مختلفة وأوقات متفرقة في الكثرة والخلوة ، ما سمعتُ منه كذباً ولا غيبة ، مع أنّه في دهرنا هذا قلّما تنزّه عنهما أحد من الخليقة . هذا عادة نهاره . وكان طريقته في الليل بعد إيابه من المسجد وفراغه عن أجوبة الناس وعن الأمور العادية الاشتغال بمطالعة كتب العلماء وتتبّع الأخبار والآثار والتصنيف والتأليف وتحرير جواب الاستفتائات . فإذا كان وقت السحر قام للتهجّد ، فاشتغل بالنوافل مع آدابها وشرائطها والمناجاة مع ذي الجلال بالتضرّع والابتهال ، إلي أن يطلع الفجر . ولم يكن عبادته وتهجّده محض الظاهر ومجرّد الصورة ، كما يشاهد من أكثر العبّاد والمقدّسين ، ولا صلاحه من قبيل صلاح الصلحاء الجامدين ، ولا زهده مثل زهد الزاهدين اليابسين ؛ بل له ذوق وشوق في بساط العبودية ، ورتبة ومقام في حضرة الربوبية . يشهد بذلك ما حرّره في تضاعيف مصنّفاته ، ولا سيما ما ذكره في كتاب تحفة الأبرار الذي صنّفه في آداب صلاة الوتر من الوجوه الستّة لتضرّع الأنبياء والأولياء ، والاعتذار من زلاتهم والاستغفار من خطيئاتهم ؛ فلاحظه حتى يوقظك من نوم الغفلة ، ويزيدك يقيناً وبصيرة .