الشيخ رحيم القاسمي
162
درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف
حرمته ، مستدعياً منه العود إلي محلّ توطّن والده ومجاورة تربته ، وحراسة أهله وعشيرته ، ومع ذلك أرسل عرائض من أصفهان إلي جنابه من أقاربه وإخوته وأصدقائه وأحبّته . . . فترك المجاورة واختار المسافرة ، فرجع وفي خدمته جمع كثير من المؤمنين وأفاضل المحصلين . فورد سلّمه الله أصفهان يوم الجمعة ثامن شهر رمضان ، لمّا مضي من الهجرة بعد الألف من الستين إحدي وسبعون ومائتان . . . فأطاف الناس بعتبته ، واغتنموا حضوره بعد غيبته ، وفتح الله لهم أبواب السعادات ببركته ، مع استفادة الطلاب والمحصلين من تدريسه وإفادته ، واستفاضة الصالحين والصالحات لإقامة الصلوات من إمامته ، وارتفاع شبهات المبدعين وانقلاعهم ببرهانه وحجته ، فأتمّ الله حجّته علي أهل أصفهان . اشتغل سلّمه الله بالتدريس والتصنيف والتأليف والإفتاء ، والحكم والقضاء ، وتبليغ الأحكام الشرعية وترويج الشريعة النبوية ؛ فحقّق المسائل الأصولية ، ودقّق في المسائل الفروعية ، وفرع تفريعات جديدة ، وصنّف تصنيفات حسنة ، وألّف تأليفات مستحسنة . فاجتمع فيه خلال العلم والفضيلة ، وعرج إلي أعلي مراتب الاجتهاد والفقاهة . ولم يخل بشيء من ضوابط العلم والدراية ، ولم يخل من شيء من روابط الحديث والرواية ، إلا ما هو المتعارف بين علمائنا الأخيار وفقهائنا الأبرار ، من استجازة الأحاديث وكتب الأخبار وإجازة الروايات . . . فإنّه بعد ما رجع عن العتبات العاليات وفرغ من التحصيل ، اشتغل بالتدريس والتصنيف والتأليف ، وكان همّه وأوقاته مصروفة في ذلك ، ولم يتوجّه إلي أمور أخري ، ولم يعتن بشيء منها ، والمبرور حجة الإسلام - أعلي الله مقامه - وإن أذن له في الحكم والفتوى ، بل صرّح بكونه أفضل من بعض من تقدّم من فحول الفقهاء ، لكنه لم يتّفق له الاستجازة عن والده . . . وبعض أجلّة العلماء وأعمدة الفقهاء وإن كتب لجنابه الإجازة ، لكنّه لمّا كان بدون استجازته لما حصل له الوثوق والطمأنينة . . . فأشار إلي أن أجيز له إجازة كانت وديعة عن والده عندنا ، وأمانة أمر الله تعالى أن تؤدي إلي أهلها . . . فأجزت له . . . أن يروي عنّي كلّما جاز لي روايته عن والده الأعظم وأستادنا الأفخم ومولانا الأكرم وسيدنا الأقدم . . . ) .