السيد أحمد الحسيني الاشكوري
39
المفصل فى تراجم الاعلام
يستعرض فيها ما للغنى والفقر من الحسنات والمزايا أو القبائح والنواقص ، ويفاضل بينهما مفاضلةً أدبيةً دقيقةً تدل على سعة الاطلاع والتمكن الأدبي . وفي المقدمات التي يضعها لكتبه أيضاً يلتزم بعض الالتزام بهذه الطريقة الأدبية ، فيحاول أن يتقيد ببعض القيود التي لا تخلو عن تكلّف ظاهر في أكثر الأحيان . وفيما يلي نورد بعض تلك النماذج للاطلاع على طريقته في الكتابة الأدبية : قال في رسالة التمس منه بعض أن يكتبها ليبعث بها إلى والده لأنه كان غضباناً عليه : « كيف لا يكون رقاً لك وقد طوّقتَ عاطلَ جيده بالبر والإنعام ، وجلببتَ عاري جسده بجلباب الفضل والاكرام ، وشمله وابلُ مَنِّكم الوافي وخصّه عميمُ لطفكم الضافي ، حتى اغتدى سوائمُ أعضائه برياض برّكم راتعةً وعواطشُ أحشائه بحياض جودكم كارعةً ، وربوع جوارحه الهامسة بقطر نَداكم الوافي عليه يانعةً . فلو حللته بظرف التحليل لرأيته كلَّ وقت شاكراً ذلك الفضل الجزيل ، الذي أسديته إليه ، وصنعته كرماً منك لديه ، وبدؤ ما يسوؤك منه كان منه هفوة ، وزلّة وهبوة ، وصدوره عنه لسوء توفيقه لا لقلة معرفته بكم ووثوقه . وكيف كان فيرجو الصفح عما اقترفه ، والعفو عما قد أسلفه ، فقد أمسى آسفاً منكسراً ، وأصبح معتذراً نادماً ، ومثلكم خبيرٌ بقول من يقول « والعذر عند كرام الناس مقبول » ، فتب أيها البرّ الرؤف ، والشفيق العطوف ، على الرقّ الجاني ، الذي لم يزل من هجركم له متيَّماً عاني » « 1 » . وكتب مقرظاً كتاب « نفحة السحر » : « أما بعد ، فاني لما أجلتُ البصرَ في الكتاب المسمى بنفحة السحر ، ورأيتُ بليغَ فصاحته ، وفصيح بلاغته ، وطلاوَة نطقه ، وملاحةَ رونقه ، آب إليّ الفكرُ مندهشاً ، ورد عليّ قواه مرتعشاً ، فسألت كليلَ البال أن يعرّفني تلك الحال ، فحبس عن الجواب ساعةً ، وقد كنت أعهد فيه الفصاحة والبلاغة ، فأخبرني بما رآه فيه من لطائف الأسرار ، وبما سار فيه من ظرائف تلك الأزهار ، وبما سباه من بدائع تلك المعاني التي أخرست أربابَ البيان ، وجلببت بفصاحتها أثوابَ البلادة سُحْبان ، فحدَوْتُه على أن يوشجه بما في كنوزه من الدرر ، ويزيد في تطييبها بما حباه اللَّه من تلك الغوالي التي لا يكاد يوجد لها عند من سواه أثر ، فذهب عنه ذلك التلجلج والاعتقال ، وطفق ينشي على سبيل الارتجال . . » .
--> ( 1 ) . هذه الرسالة مع قصيدة رائية مذكورة في الجزء الأول من كتاب « محاسن الكواعب » المخطوط للشيخ .