السيد أحمد الحسيني الاشكوري
371
المفصل فى تراجم الاعلام
وتواضعه الجم ، ورحابة صدره وعطفه وشفقته ، وما هنالك من أصول الملكات الأخلاقية وجميل السجايا النفسية - ما يحببه لعارفيه ، ويرفعه في نظر جلاسه وزواره ، ويحله المكانة اللائقة به في نفوس الناس . ولم يقصر جهده على العمل في نشر الأحكام وهداية الأنام ، بل كان قائداً موجِّهاً ومصلحاً اجتماعياً وزعيماً وطنياً ، وكان يوالي بذل الجهد من أجل خدمة مجتمعه وإصلاح شؤونه ، وقد ضحى في هذا المجال كل غال ونفيس ، كما خاض ميدان النضال ضد الحكام الأجانب في عهدي الأتراك والاحتلال ، وعرّض نفسه وأهله للمخاطر حتى صدر الحكم باغتياله ، وهوجمت داره وأحرقت مكتبته ، وتلف فيها نيف وعشرون من مؤلفاته المخطوطة ، وهكذا عمل في مختلف الميادين الاصلاحية والحركات السياسية والوطنية بالرغم من المضايقات التي كان يواجهها ، وكان في جميع ذلك من قادة الفكر وزعماء الرأي ، كما يشهد به تأريخ جبل عامل الحديث . وكان من أكبر دعاة الوحدة الاسلامية والتقريب بين المذاهب مبتنياً على الأسس العلمية المدروسة الصحيحة ، وقد دعا إلى توحيد صف المسلمين وجمع كلمتهم بعيداً عن التهريج وإشاعة الفتن ونشر التهم والأكاذيب ، وجنّد لذلك كل قابلياته وإمكانياته ، وكان أول تآليفه في هذا الموضوع كتابه الجليل « الفصول المهمة في تأليف الأمة » وقد فرغ من تأليفه في سنة 1327 ، وهو منذ ذلك التأريخ حتى آخر أيامه كان يولي هذا الموضوع أكثر اهتمامه ويسعى له سعياً حثيثاً . وفي سنة 1329 هبط مصر ، فاجتمع بعلمائها الأعلام ، وعلى رأسهم العلامة المنصف نصير الحق الشيخ سليم البشري رحمه اللَّه شيخ الأزهر الشريف يومئذ ، وعقدت بينهما اجتماعات متوالية بحثا فيها أمهات المسائل الخلافية في الكلام والأصول الاعتقادية والعلمية ، واتفقا على أن يضعا اللبنة الأولى لبناء الوحدة الاسلامية ليكون لهما شرف فتح هذا الباب ، فتبودلت بينهما الرسائل العلمية على شكل سؤال وجواب ، وكان من نتائج ذلك العمل الطيب كتابه ( المراجعات ) . ولما طغى سيلُ المدنية الغربية واتجهت جموع الناس إلى المدارس الحديثة التي لا تعنى بالتربية الدينية إن لم نقل تضعفها وتعدمها بالمرة ، فكر في إنقاذ من يمكنه إنقاذه من هذه الهوة العميقة ، ولما رأى أنه لا يستطيع أن يوقف هذا التيار أو يصدّ الناس عنه قرر فتح مدارس للبنين والبنات تحفظ لهم عقائدهم وتضمن لهم التربية الدينية إلى جانب التربية الزمنية . وهكذا كان ، فقد شيد ( المدارس الجعفرية ) التي نمت وتوسعت وصارت بعد برهة ( الكلية الجعفرية ) وذلك مشروع جليل وعمل جبار بناء لا يثمنه إلا الواعون والنابهون من العلماء .