السيد أحمد الحسيني الاشكوري

179

المفصل فى تراجم الاعلام

إنه يناجي ربه في أول كتابه النزهة بعبارات خرجت من قلب عارف متوغِّل في العرفان وجرت على قلم صوفي متولّه في تقديس الحي السبحان ، فيقول : « اللهم يا من قصرت عن إدراك حقيقة كنه ذاته الفكر ، وسافرت فيه العقول فما ربحت إلا أذى السفر ، فرجعت حسرى وما وقعت على عين ولا أثر ، لأن الذي تطلبه خارج عن قوة البشر : فيك يا أغلوطةَ الفكر * حار فكري وانقضى عمري سافرتْ فيك العقول فما * ربحتْ إلا أذى السفرِ رجعتْ حسرى وما وقعتْ * لا على عينٍ ولا أثرِ فلحا اللَّهُ الأولى زعموا * أنك المشهودُ بالنظرِ كذبوا إن الذي طلبوا * خارجٌ عن قوّة البشرِ » لقد أخذ طريقة الرفاعية والقادرية - كما ذكرنا فيما مضى - من السيد بدرالدين بن غالب الرفاعي ، والطريقة القادرية أيضاً من السيد علي النقيب ، وألبسه أستاذه هذا خرقة التصوف وقلده الخلافة القادرية ، كما قد أخذ التصوف أيضاً من شيخه الشيخ محمد الأحمدي الشناوي . هذا يدل على انتسابه إلى فرق صوفية مختلفة ، بل بلغ به الحال أن قُلّد الخلافة لبعض الطرق وقطع المراتب العالية في التصوف . ومع شدة ولاء السيد للصوفية يصرح في النزهة 2 / 574 عند الحديث عن العقل بأولوية العلماء بالاتباع في المسائل العقلية من الصوفية ، إذ أنهم أخذوا علومهم من ينبوع النبوة ، فيقول : « إذا حسّنت الملاحظة في كل مسألة من المسائل المختلف فيها عند العلماء والصوفية ترى الحقَّ بجانب العلماء ، وأصل ذلك أن نظر العلماء قد نفذ في كمالات النبوة وعلومها بواسطة متابعة الأنبياء الكرام عليهم السلام ، ونظر الصوفية قد وقع على كمالات الولاية ومعارفها فقط ، فلاجرم حينئذ أن يكون العلم المقتبس من مشكاة النبوة أصوب وأحق من الذي أخذ من مرتبة الولاية . فافهم واللَّه بكل شيء عليم » . هذه ملاحظة خطيرة يبديها صوفي متوغل في التصوف ، إلا أنها صدرت من عالم يتحلّى بالإنصاف العلمي والتواضع الخلقي ، فيعلن بالحق من دون مؤاربة .