الشهيد الأول

175

جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 )

وهذا الطلب معلوم للعاقل ؛ لأنّه يدرك تفرقةً ضروريّةً بين الأمر والنهي ، ويميّز بين طلب الفعل والترك ، وبينهما وبين النهي والخبر ، وهي آيات كونه معلوماً له ، ولأنّ العوامّ ومن لم يعرف الأقوال الشارحة يأمر وينهى ويخبر عن نفسه بهما ، ولم ينازع فيه عاقل ، وهو غير الصيغة ، ضرورة مغايرة الدليل للمدلول ، ولاختلاف الصيغة باعتبار اللغة دون الطلب ، ولوجود الصيغة بدونه في الساهي والنائم والغافل ، فلا تكون هي إيّاه ، وإلّا لانفكّ الشيء عن نفسه ، ويغاير الإرادة عند الأشاعرة . وقال المعتزلة والمصنّف : بل هو هي ؛ لعدم تعقّل الزائدة على الإرادة ، ولو ثبت لكان خفيّاً جدّاً لا يدركه إلّاأفراد العقلاء ، فلا يوضع له اللفظ الظاهر « 1 » ؛ لامتناع الوضع لما لا يعقل ، أو وضع الظاهر للأخفى كما مرّ . واحتجّت الأشاعرة : بأ نّه تعالى أمر الكافر المعلوم منه عدم الطاعة بها ، فلو أرادها لكان مريداً للمحال ؛ لاستحالة وقوع المراد ، وإلّا لانقلب علمه تعالى جهلًا ، فقد وجد الأمر بدون الإرادة ، ويلزم وجود الطلب بدونها ؛ لأنّه إمّا نفسه أو لازم له ، ولصحّة « أُريد منك الفعل ولا آمرك به » ؛ ولو كان الأمر الإرادة لعدّ مناقضاً . ويشكل : بأ نّه يدلّ على مغايرة الإرادة للأمر ، وما نظنّ أنّ أحداً يدّعي اتّحادهما ، ولا يدلّ على مغايرة الإرادة للطلب ، إلّاأن يقال : الأمر هو الطلب ، فيصحّ ، لكنّه ممنوع ، فلو عكس فقال : « آمرك بالفعل ولا أُريده منك » لزم المغايرة المطلوبة إن صحّ هذا القول . والفرق بينهما أنّ نفي الأمر يحصل بانتفاء أحد أجزائه ، فيمكن بقاء الطلب مع الإرادة إذا جعلنا الأمر مركّباً من اللفظ والطلب ، وأمّا ثبوت الأمر فيستلزم ثبوت أجزائه ، فيلزم ثبوت الطلب مع نفي الإرادة ، فتغايرا ، ولأمر السيّد عبده بما لا يريده بين يدي السلطان ، طلباً لإظهار عذره ، فوجد الأمر بدون الإرادة ، ويلزم منه وجود الطلب . والجواب : بل أراد الطاعة ، وليست مُحالة ؛ لعدم تأثير العلم ؛ لكونه حكايةً ومتأخّراً في الرتبة والوجوب لاحق ؛ إذ لا فرق بين فرض وقوع أحد الطرفين أو

--> ( 1 ) . نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 2 ، ص 379 .