الشهيد الأول
171
جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 )
والاستعمال دليل الحقيقة كما مرّ . وأجاب ب « أنّ الاستعمال يوجد مع المجاز » « 1 » فهو أعمّ ، ولا دلالة للعامّ على الخاصّ إذا كانت جزئيّاته على السواء ، وإن كان إحداها أولى ، كمسألتنا فهو أولى ، وهنا القول أولى ؛ لما بيّنّاه من ترجيح المجاز . ثمّ نقول : نمنع إرادة الفعل في الآيتين الأوّلتين بل القول أو الشأن ، ولو سلّم إرادة الفعل لكن نمنع إطلاق لفظ الأمر عليه بخصوص كونه فعلًا ، بل لعموم كونه شأناً . والظاهر إرادة القول في « أَمْرَ فِرْعَوْنَ » بدليل قوله قبله : « فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ » « 2 » ، أي أطاعوه فيما أمرهم به . ونمنع حمل « وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ » « 3 » على ظاهره ؛ لاستلزامه وحده فعله ، وأ نّه لا يُحْدِث إلّاكلمح البصر في السرعة ، وليس كذلك ، فالمراد - والله أعلم - أنّه تعالى من شأنه إذا أراد شيئاً وقع كلمح البصر . وقوله : « مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ » « 4 » أي شأنه ؛ لأنّ الجري والتسخير بقدرته تعالى لا بفعله . ويجاب : بأنّ الاستعمال الدالّ على الحقيقة هو المجرّد عن القرائن ، وليس هنا كذا . فإن ادّعوا في هذه الصور التجرّد عن القرينة الدالّة على إرادة الفعل ، منعنا كون الفعل مراداً ، ونطلب حجّتهم . واحتجّ أبو الحسين بأنّ القائل « هذا أمر » لم يدر السامع ما أراد ، فإذا قيل : « هذا أمر بالفعل » أو « أمر مستقيم » أو « تحرّك الجسم لأمر » أو « جاء زيد لأمر » فهم السامع من الأوّل القول ، ومن الثاني الشأن ، ومن الثالث الشيء ، ومن الرابع أنّه جاء لغرض ما ، وتردّد الذهن بينها دليل على الاشتراك « 5 » . وأُجيب بمنع التردّد عند إطلاق الأمر بل يتبادر إلى القول « 6 » .
--> ( 1 ) . أي المصنّف في المتن . ( 2 ) . هود ( 11 ) : 97 . ( 3 ) . القمر ( 54 ) : 50 . ( 4 ) . الأعراف ( 7 ) : 54 . ( 5 ) . المعتمد ، ج 1 ، ص 39 - 40 . ( 6 ) . نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 1 ، ص 364 .