الشهيد الأول

53

جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 )

والجواب : قال أبو هاشم : جاز أن يكون الخير غير الناسخ بل يجب ؛ لأنّه تعالى رتّبه على النسخ وجعله مشروطاً به ، فيتأخّر عن النسخ المتأخّر عن الناسخ ، ولأ نّه أثره فلو كان المأتيّ به هو الناسخ دار « 1 » . لا يقال : رتّب على النسخ الإتيان لا المأتيّ به . فنقول : الإتيان متقدّم على المأتيّ به ؛ لأنّه عبارة عن إيجاد مترتّب على النسخ فوجب ترتّب المأتيّ به على النسخ ، وهو المدّعى . وإسناد الإتيان إليه تعالى لا يدلّ على كونه ليس من السنّة ؛ لأنّها منه تعالى ؛ لقوله : « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » « 2 » ، والخير الأكثر ثواباً ، ويجوز كون امتثال الحكم المستفاد من السنّة أعظم ثواباً من المنسوخ ، والمثال ضعيف ، ومعارض بقول الملك لرعيّته : مَن يلقني منكم بحمد وشكر وثناء ألقه بخير منه . ونمنع الكبرى في الثاني ؛ لأنّ الناسخ بيان ؛ إذ هو تخصيص في الأزمان ، فيدخل تحت مطلق التخصيص الذي هو نوع من البيان ، ولا منافاة بين الرفع والبيان ؛ لانتهاء مدّته للزوم الثاني للأوّل ، ثمّ نمنع انحصار السنّة في البيان ، فجاز كون بعضها مبيّناً لبعض القرآن ، وبعضها ناسخاً لبعض آخر . سلّمنا ، لكن نمنع أنّ المراد ب « البيان » هنا بيان المجمل أو بيان إرادة خلاف الظاهر ؛ لأنّ ذلك مختصّ ببعض القرآن ؛ إذ فيه المستغني عن البيان كالمحكم ، فلو كان مراداً لزم خلاف ظاهر العموم ، وهو قوله : « ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » « 3 » فيجب حمله على التبليغ والإظهار ؛ ليشمل جميع القرآن ، والثالث دلّ على أنّه لا يبدّل القرآن‌من تلقاء نفسه إلّابوحي من الله من كتاب أو سنّة ، بل الحقّ دلالتها على أنّ له ذلك بالمفهوم .

--> ( 1 ) . حكاه عنه العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 80 . ( 2 ) . النجم ( 53 ) : 3 - 4 . ( 3 ) . النحل ( 16 ) : 44 .