الشهيد الأول
41
جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 )
الفلاني إلى أن أنسخه عنكم ، وكقوله تعالى : « فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا » « 1 » المنسوخ بقوله عليه السلام : « قد جعل الله لهنّ سبيلًا ، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيّب بالثيّب جلد مائة والرجم » « 2 » ، وأن يكون من الأحكام الشرعيّة دون أجناس الأفعال وصورها ، ودون الأحكام العقليّة ، فإنّ الصلاة إلى بيت المقدس وصورها لم ترفع بالناسخ ؛ لإمكان وقوعها ، وإنّما ارتفع وجوبها ، ورفع حكم البراءة الأصليّة بإيجاب الصلاة مثلًا أو بتحريم الخمر لا يسمّى نسخاً . ولا يشترط تناول لفظ « المنسوخ » للحكم المنسوخ الذي دلّ الناسخ على رفعه ، بمعنى أن يكون موضوعاً له ، أو لما هو جزؤه ، أو لملزومه ، بل لو عُلم استمرار الحكم بقرينة خارجة عن الخطاب ساوى ما علم استمرار الحكم فيه ، من ظاهر الخطاب في صحّة ورود النسخ عليه . ألا ترى أنّ الأمر لا يدلّ على التكرار ، مع أنّه لو دلّت قرينة على إرادة التكرار منه ثمّ دلّ دليل على رفع الحكم عن بعض المراتب كان نسخاً اتّفاقاً مع عدم تناول اللفظ له . وأمّا الثاني : فيشترط في الناسخ أن يكون دليلًا شرعيّاً لا عقليّاً ؛ فإنّ ارتفاع الحكم بموت المكلّف وعجزه لا يسمّى نسخاً وإن يتراخى ، وإلّا لكان تخصيصاً لما عرفت في حدّ النسخ ، وأن يراد بالناسخ غير ما أُريد بالمنسوخ وإلّا لزم البداء . ثمّ النسخ قد يكون لا إلى بدل « 3 » ، فإن كان مضادّاً لحكم الأوّل كفى دليل ثبوته في رفع مضادّه ، كنسخ وجوب التوجّه إلى بيت المقدس بالتوجّه إلى الكعبة ، وإن كان مخالفاً غير مضادّ - كنسخ صوم عاشوراء بصوم شهر رمضان ، ونسخ سائر الحقوق بالزكاة - لم يكفِ في نسخ الحكم الأوّل ؛ لعدم المنافاة بينهما ، بل يشترط وجود ما يدلّ على رفعه قولًا كان أو فعلًا أو تركاً .
--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 15 . ( 2 ) . سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 852 - 853 ، ح 2550 . ( 3 ) . « فيشترط وجود ما يدلّ على زوال الحكم المنسوخ من لفظ أو فعل أو ترك ، وقد يكون إلى بدل » .