الشهيد الأول

32

جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 )

أقول : لمّا بحث عمّا يفيد معرفة ثبوت الحكم الشرعي بحث عمّا يفيد معرفة زوال ذلك الحكم بعد تحقّقه وهو النسخ ، وعرّف النسخ - لأنّ التصديق مسبوق بالتصوّر - وهو لغةً : الإبطال ، أي الإعدام يقال : نسخت الريح آثار القوم ، أي أزالتها وأبطلتها ، ونسخت الشمس الظلّ عند توهّم انتقاله من موضع إلى آخر ، ويستعمل أيضاً في النقل والتحويل « 1 » . يقال : « نسخت الكتاب إلى آخره » عند نقل ما فيه إليه أو حكايته ، ومنه تناسخ الأرواح ، الذي هو عبارة عن انتقالها من بدن إلى آخر ، وتناسخ المواريث عبارة عن انتقالها من وارث إلى آخر . فقال القاضي أبو بكر « 2 » والغزالي : أنّه مشترك بينهما « 3 » . وقال أبو الحسين البصري : إنّه حقيقة في الأوّل مجاز في الثاني « 4 » ، وبعكسه قال القفّال « 5 » . والمصنّف ( طاب ثراه ) وافق أبا الحسين ، وهو الحقّ ؛ لما عرفت من رجحان المجاز على الاشتراك عند التعارض ، ومن أنّ الإزالة أعمّ من النقل ؛ لأنّه عبارة عن عدم صفة وتجدّد أُخرى ، والإزالة عدمه مطلقاً ، والمطلق أعمّ من المقيّد ، ووضع اللفظ للأعمّ أولى لما تقدّم . وبه يبطل قول القفّال ، ويبطله أيضاً أنّ إطلاق لفظ « النسخ » على النقل مجاز من قولهم : نسخت ما في الكتاب ؛ لأنّ ما فيه لم ينقل حقيقةً ، وإذا كان مجازاً في النقل تعيّن أن يكون حقيقةً في الإبطال . وأمّا بحسب عرف الأُصوليّين فقد عرّفه المصنّف بأ نّه « رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخّر عنه ، على وجه لولاه لكان ثابتاً » فالرفع جنس ، وبإضافته إلى الحكم خرج رفع الذوات والصفات الحقيقيّة ، والحكم شامل للوجودي كالوجوب

--> ( 1 ) . راجع لسان العرب ، ج 3 ، ص 61 ، « نسخ » . ( 2 ) . حكاه عنه الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 2 ، ص 580 ؛ وراجع البحر المحيط ، ج 3 ، ص 144 . ( 3 ) . المستصفى ، ج 1 ، ص 207 . ( 4 ) . المعتمد ، ج 1 ، ص 364 . ( 5 ) . انظر الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 96 ؛ ونهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 2 ، ص 581 .