الشهيد الأول
28
جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 )
الدليل الناسخ « 1 » ، فقيل : بشرع إبراهيم « 2 » ، وقيل : بشرع موسى « 3 » ، وقيل : عيسى ( على نبيّنا وعليهم السلام ) « 4 » . لنا : ما تقدّم وأ نّه أُوحي إليه كهم ، فشرعه أصل ليس تابعاً لغيره . والحقّ أن يقال : إمّا أن يكون مراد القائل بتعبّده عليه السلام بشرع من قبله أنّه كان يوحى إلى نبيّنا عليه السلام مثل ما يوحى إلى غيره في الأحكام ، أو أنّه كان مأموراً باقتباس الأحكام من علمائهم وكتبهم . فإن كان الأوّل فإمّا في كلّ شرعه ، وهو باطل قطعاً ؛ للعلم بمخالفته في كثير ، وإمّا في بعضه فمسلّم ، لكن لا نسلّم إطلاق كونه عليه السلام متعبّداً بشرع غيره ؛ لأنّه يوهم التبعيّة للغير في شرعه مع أنّه أصل في نفسه . وأمّا الاحتمال الثاني فهو باطل قطعاً ؛ لأنّه عليه السلام لم يرجع إليهم في شيء من الوقائع والحوادث ، وإلّا لنقل ، بل كان ينتظر الوحي ، ولأ نّه لو كان متعبّداً بشرعهم لما غضب على عمر لمّا رآه يطالع ورقة في التوراة وقال : « لو كان موسى حيّاً لما وسعه إلّااتّباعي » « 5 » ، ولأ نّه كان يجب علينا حفظ الكتب السالفة والتفكّر في معانيها والرجوع إليها عند وقوع الحوادث وخفاء أحكامها ؛ لوجوب التأسّيبه عليه السلام . لا يقال : لِمَ لا يجوز كونه في تلك الحوادث خاصّةً غير متعبّد بشرع آخر فانتظر الوحي أو علم خلوّ شرعهم عنها ، ولجواز تواتر أحكام شرعهم فلا يراجعهم ؛ لأنّه أجلى ، فلا يجوز العمل بقولهم ؛ لكفرهم ولرجوعه إليهم في الرجم . لأنّا نجيب : أنّ المدّعى أنّه لم يرجع إليهم في شيء أصلًا ، ولا تعبّد بشرعهم في شيء ، والعلم بخلوّ كتبهم لا يحصل إلّامع غاية الطلب والفحص ، ولأنّ تواترها لم يكفِ ؛ لافتقاره في دلالته إلى البحث والاجتهاد ولم يرجع عليه السلام إليهم في الرجم
--> ( 1 ) . منهم ابن الحاجب والعضدي . راجع شرح مختصر المنتهى ، ج 2 ، ص 286 ؛ والآمدي نقله عن أصحابأبي حنيفة وأحمد وبعض أصحاب الشافعي . راجع الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 4 ، ص 378 . ( 2 و 3 و 4 ) . نسبه الغزالي إلى قوم في المستصفى ، ج 1 ، ص 391 ؛ والآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 376 . ( 5 ) . التفسير الكبير ، ج 4 ، الجزء 7 ، ص 13 ، ذيل الآية 255 من البقرة ( 2 ) .