صالح مهدي هاشم
59
المشهد الفلسفي في القرن السابع الهجري
( كانت أيامه طيبة والدنيا في زمانه ساكنة والخيرات دارة والإعمال عامرة ) « 1 » ، وهذا له أسبابه : منها ما ورثه المستنصر باللّه من أموال طائلة من جده الخليفة الناصر لدين اللّه ، ومنها رجوع جنكيز خان إلى بلاده منذ عام 620 ه - 1223 م ، بعد ان احرق الأمارة الخوارزمية وجعل مدنها يبابا . . ومات في بلاده عام 624 ه - 1227 م ومنها : ان البلاد كانت أول سني خلافة المستنصر بعيدة عن ساحات الحروب التي كانت وقودها إمارات على إطراف الدولة العربية الاسلامية . . وهذا الهدوء والرخاء على كل حال هو الهدوء الذي يسبق العاصفة ، فسرعان ما عاد التتر للإجهاز على آخر ما تبقى من السور العظيم الذي كان يمنع المغول من العاصمة العباسية بغداد ، ونعني به الأمارة الخوارزمية بعدان انهزم عنه حماته عام 628 ه / 1231 م ، « 2 » فصارت مدنهم بعدها بلاقع خاوية على عروشها ، لينكشف عند ذلك ظهر الجيوش العربية الإسلامية أمام التتر . . . الأمير خوارزم شاه محمد بن تكش وابنه جلال الدين منكوبرتي ما كانا يدركان عمق الخطر المغولي ومقدار الجيوش التي تحيط بهم . وجاء بعدهم خليفة للمسلمين ليس عاجزا غير مدرك للأخطار المحيطة بالآمة حسب ، بل حطم دولة الناصر لدين اللّه ، وأجهز على أداته الضخمة الذي كان يدفع البلاء عن الأمة ، ونعني به ( جهاز البريد والفتوة والطلائع ) وهو الجهاز الذي دخل بيوت الأعداء ، وقرأ الأحداث قبل وقوعها . ثم جاء الخليفة المستنصر باللّه ، وان كان أكثر من أبيه معرفة ودراية ، الا انه هو الآخر لم يتمكن من تعميق الفهم والادراك ، والعمل على تعميمه على كل مستويات الأمة ، وعلى الخصوص منهم الأمراء وقادة الجيش ، الآمر الذي زاد الأمور سوء . . .
--> ( 1 ) ابن الطقطقي ، الفخري ، ص 330 ( 2 ) ابن كثير ، المصدر السابق ، ج 13 ، ص 103 .