العلامة الحلي
مقدمة التحقيق 23
الأسرار الخفية في العلوم العقلية
نوّر اللّه ضريحه « 1 » . وكم هي الأقلام التي كتبت وصنّفت في العلوم العقليّة والكلاميّة ، كما يظهر لمن تتبّع فهارس الكتب المطبوعة والمخطوطة ! إنّها كثيرة جدّا ، إلّا أنّ الذي بقي محطّ الأنظار من بين هذه الكتب ، منذ زمن تأليفها وإلى الآن ، هما كتابا المحقّق الطوسي وتلميذه العلّامة ، فالأوّل له شرح الإشارات والثاني كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد . يقول آية اللّه حسن زاده الآملي عنهما : إنّهما تناولتهما أيادي أرباب العلوم العقليّة في الأكناف وتداولتهما ألسنة أصحاب التحصيل في الأطراف ، من زمن تأليفهما إلى الآن ، وقد خلا أكثر من سبعة قرون وهما سناما الكتب الدرسيّة من الكلاميّة والحكمة المشّائيّة ، ولم يأت أحد بعدهما - مع طول العهد - بتأليف يضاهيهما ، بل الكلّ يباهي بتعليمهما وتعلّمهما ، اللّهم إلّا بالتعليق الإيضاحي على طائفة من مسائلهما ، أو الشرح التفصيلي عليهما « 2 » . حول الأسرار الخفيّة كان العلّامة الحلّي نجما لامعا في سماء العلم والمعرفة ، فقد امتاز بإنتاجه الخصيب وعطائه الفكري ، اللذين أجمع المتقدّمون والمتأخّرون على علوّ شأنهما ورفعتهما في مختلف المجالات : الفقهيّة والكلاميّة والأصوليّة والرجاليّة والفلسفيّة . فقد زخرت المكتبة الإسلاميّة الشيعيّة بالكتب الموسوعيّة للعلّامة التي قال عنها البعض : إنّها تربو على المائة مصنّف ، ومن بينها كتب مطوّلة في الفقه والأصول والكلام والعلوم العقليّة ، ولا زال بعض هذه الكتب مخطوطا ، كما هو الحال في نهاية الوصول إلى علم الأصول وغيره . إنّ أهمّية العلوم العقليّة كما يراها المصنّف تكمن في اتّصاف الإنسان بالعلوم العقليّة الكلّية والعقائد الصحيحة اليقينيّة ؛ فإنّه باعتبار هذه الصفة يمتاز عن غيره من الحيوانات ، ويعلو عن المشابهة للجمادات ، ولا شكّ أنّ أكملها وأولاها هو العلم بمبدإ الأشياء ومنتهاها ، وهو واجب الوجود في ذاته ، وما يتبع ذلك من معرفة صفاته وكيفيّة تأثيراته . أمّا أوّلا : فلشرف المعلوم الذي لا يضاهى .
--> ( 1 ) . « روضات الجنّات » 6 : 302 . ( 2 ) . « كشف المراد » : 5 ، مقدّمة التحقيق .