العلامة الحلي
8
شرح الباب الحادى عشر ( جامعة المدرسين ، تعليقات نظامي )
الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » « 1 » فَوَجَبَ عَلى كُلِّ مَنْ هُوَ فِي زُمْرَةِ العَاقِلِينَ إجَابَةُ رَبِّ العَالَمِينَ . ولَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُتَعَذِّراً بِدُونِ مَعْرِفَتِهِ بِاليَقِينِ وَجَبَ عَلى كُلِّ عَارِفٍ مُكَلَّفٍ تَنْبِيهُ الغَافِلِينَ وإرْشَادُ الضَالّينَ بِتَقْريرِ مُقَدَّمَاتِ ذَوَاتِ إفْهَامٍ وتَبْيِينٍ . فَمِنْ تِلْكَ المُقَدَّمَاتِ المُقَدَّمَةُ المُوسُومَةُ ب « البَابِ الحَادِي عَشَرَ » مِنْ تَصَانيفِ شَيْخِنَا وإمَامِنَا ، الإمَامِ العَالِم الأعْلَمِ الأفْضَلِ الأكْمَلِ سُلْطَانِ أرْبَابِ التَحْقِيقِ ، اسْتَاذِ اولِي التنْقِيحِ والتدْقِيقِ ، مُقَرِّرِ المَبَاحِثِ العَقْلِيَّةِ ، مُهَذِّبِ الدَلائِلِ الشَرْعِيَّةِ ، آيَةِ اللَّهِ فِي العَالَمِينَ ، وَارِثِ عُلُومِ الأنْبِيَاءِ والمُرْسَلِينَ ، جَمَالِ المِلَّةِ والدِينِ أبِيمَنْصُورِ الحَسَنِ بنِ يُوسُفَ ابنِ عَلِيّ بنِ المُطَهَّرِ الحِلِّيِّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ ونَوَّرَ ضَرِيحَهُ ، فَإنَّهَا مَعَ وَجَازَةِ لَفْظِهَا كَثِيرَةُ العِلْمِ ، ومَعَ اخْتِصَارِ تَقْرِيرِهَا كَبِيرَةُ الغُنْمِ . وَكَانَ قَدْ سَلَفَ مِنِّي فِي سَالِفِ الزَمَانِ أنْ أكْتُبَ شَيْئاً يُعِينُ عَلى حَلِّهَا بِتَقْريرِ الدَلائِلِ والبُرْهَانِ ، إجَابَةً لالْتِمَاسِ بَعْضِ الإخْوَانِ ، ثُمَّ عَاقَتْنِي عَنْ إتْمَامِهِ عَوَائِقُ الحَدَثَانِ ، ومُصَادَمَاتُ الدَهْرِ الخَوَّانِ « 2 » إذْكَانَ صَادّاً لِلْمَرْءِ عَنْ بُلُوغِ إرَادَتِهِ ، وحَائِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ طَلِبَتِهِ . ثُمَّ اتَّفَقَ الاجْتِمَاعُ والمُذَاكَرَةُ فِي بَعْضِ الأسْفَارِ ، مَعَ تَرَاكُمِ الأشْغَالِ وتَشْوِيشِ الأفْكَارِ ، فَالْتَمَسَ مِنِّي بَعْضُ السَادَاتِ الأجِلَّاءِ أنْ اعِيدَ النَظَرَ والتَذَكُّرَ
--> ( 1 ) الذاريات : 56 . القَوْلُ فِي غَايَةِ الخِلْقَةِ مِنْ جِهَاتٍ شَتَّى مِنَ القُرْآنِ والحَدِيثِ والحِكْمَةِوالكَلامِ والعِرْفَانِ . فَمَا يُسْتَفَادُ مِنَ القُرْآنِ أنَّ غَايَةَ الخِلْقَةِ تَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ نِسْبِيَّةٍ ونَهَائِيَّةٍ ، فَالنِسْبِيَّةُ مِنْهُمَا هِيَ العِبَادَةُ عَلى مَا نَصّت عَلَيهَا الآيَةُ المَذْكُورَةُ والغَايَةُ النَهَائِيَّةُ هي العِلْمُ بِوُجُودِهِ سُبْحَانَهُ والمَعْرِفَةُ بِأَنَّهُ عَلَيمٌ قَدِيرٌ أوْ شُمُولُ رَحْمَتِهِ تعالى لِلْعِبَادِ . ( وَالمُرَادُ بِالعِلْمِ هُنَا هُوَ إدْرَاكُ الحَقِيقَةِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ السَلِيمَةُ المُسَاوِقُ لِلإيمَانِ ) ونَحْنُ قَدْ أغْمَضْنَا هُنَا عَنِ البَحْثِ فِي جِهَاتٍ اخْرَى . ( 2 ) قَدْ وَصَفَ الشَارِحُ رحمه الله الدَهْرَ هُنَا بِالخَوَّانِ ، وهذا سَبٌّ ، مَعَ أنَّ سَبَّ الدَهْرِ مَمْنُوعٌ عَلى مَا فِيالأخْبَارِ عَنِ الأطْهَارِ عليهم السلام .