العلامة الحلي

209

الباب الحادي عشر ( مع شرحيه النافع يوم الحشر للسيوري ومفتاح الباب للحسينى )

« ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ » وقوله تعالى : « أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ . وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ » قال المفسّرون نزلت هذه الآية في ابىّ ابن خلف حيث خاصم النّبيّ ( ص ) وأتاه بعظم قد رمّ وبلى ففتّه بيده ، وقال : « يا محمّد أترى اللّه يحيي هذا بعد ما رمّ » ؟ ، قال : « نعم ويبعثك ويدخلك النار » . وأنت تعلم انّ هذا مما يقلع عرق التأويل ، ولذلك قال الرّازى : « الإنصاف انّه لا يمكن الجمع بين ايمان بما جاء به النّبيّ ( ص ) وبين إنكار حشر الجسماني » ، وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى كثير جدّا . ولا يذهب عليك انّ الاستدلال بالآية على ثبوت المعاد البدنىّ إنّما يتمّ بملاحظة إمكانه وصدق المخبر فيها فيكون هذا الدّليل راجعا إلى الدّليل السّابق عليه فالأولى تركه ، أو ايراد قوله « للآيات » الخ إشارة بدون العطف قبل نتيجة الدّليل السّابق دليلا على اختيار الشّارع بثبوته كما انّ الأولى أن يقول « على الإنكار » بإعادة حرف الجرّ ليوافق المذهب المشهور المنصور عند الجمهور في العطف على الضمير المجرور على ما لا يخفى . واعلم انّ ثبوت المعاد البدنىّ لكلّ إنسان مما يجب اعتقاده ويكفر جاحده ، لما عرفت انّه من ضروريّات الدّين ، وان لم يكن بعض ادلّة المصنف دالّا على ذلك . وأمّا المعاد الرّوحاني فلا يتعلّق التّكليف باعتقاده لا إثباتا ولا نفيا ، بل هو من وظائف الفلسفة ، والقائلون بهما معا أرادوا أن يجمعوا بين الشّريعة والحكمة على ما يستفاد من كلام الشيخ الرئيس في الشفا وصرّح به الرازي في بعض تصانيفه . لا يقال إذا أكل إنسان إنسانا آخر بحيث صار جزء من المأكول جزء للآكل ، فذلك الجزء إمّا أن يعاد فيهما وهو محال ، أو في أحدهما فلا يكون الآخر معادا ، فلا يصح الحكم بثبوت المعاد البدنىّ لكلّ انسان . لأنّا نقول : المعتبر في المعاد البدنىّ جمع الأجزاء الأصليّة الباقية من أوّل العمر إلى آخره لا جميع الأجزاء ، وأجزاء الإنسان المأكول فضلة في الآكل لا اصليّة .