العلامة الحلي
176
الباب الحادي عشر ( مع شرحيه النافع يوم الحشر للسيوري ومفتاح الباب للحسينى )
أقول المراد من الوثوق الوثوق التّام الزّاجر المانع عن متابعة مشتهيات النّفس ، ضرورة أنّ فائدة البعثة والتّكليف إنّما يبتنى على ذلك ، ولا يخفى على المتأمّل المنصف انّ صدور ذنب ما بل جواز صدوره عنه يستلزم احتمال صدور الكذب في الأحكام الشّرعيّة عند العقل ، فيحيل الوثوق ، فلا يحصل ذلك الوثوق التّام إلّا إذا وجب الاجتناب عن المعاصي كلّها . نعم يتّجه انّ اللّازم مما ذكر وجوب الاجتناب عن المعاصي لا وجوب ملكة الاجتناب عنها ، والمدّعى وجوب العصمة الّتي هي ملكة الاجتناب عنها على أنّ المخلّ بالوثوق إنّما هو ظهور المعصية لا صدورها والكلام في صدور المعصية لا في ظهورها فليتأمّل . المبحث الثّالث في أنّه أي نبيّنا ( ص ) أو مطلق النّبيّ ( ع ) معصوم من أوّل عمره إلى آخره قبل البعثة وبعدها عن جميع أنواع المعاصي عمدا وسهوا خلافا لجمهور المتكلمين من الخوارج القائلين بجواز الكفر عليه قبل البعثة وبعدها ، وغيرهم ممّن جوّز صدور الكبائر والصّغائر عمدا وسهوا قبل البعثة ، وذلك لعدم انقياد القلوب إلى طاعة من عهد أي علم منه في سالف عمره أي قبل البعثة شيء من أنواع المعاصي والكبائر وما تنقر النّفس منه من الصّغائر الخسيسة كسرقة لقمة وتطفيف حبّة ولا يخفى انّ ذكر الكبائر هذه والصّغائر بعد المعاصي تخصيص بعد تعميم لكونها أقوى المعاصي وأبعدها من الصّدور عن الأنبياء ، ولهذا اتّفق جمهور المخالفين على امتناع صدورها عنهم بعد البعثة . والحق أنّ صدور المعاصي عنهم قبل البعثة كصدورها عنهم بعدها موجب لعدم إطاعتهم وعدم انقياد أمرهم ونهيهم فينتفى فائدة البعثة كما عرفت آنفا . وأنت خبير بأنّ هذا الدّليل راجع إلى الدّليل المتقدّم فالكلام فيه كالكلام في ذلك ، ولا يثبت عصمة الأنبياء عن جميع المعاصي مطلقا . فما ورد في الكتاب والسّنّة مما يوهم صدور معصية عنهم فمحمول على ترك الأولى بناء على ما قيل : « حسنات الأبرار سيئات المقرّبين » أو ما دل بوجه آخر كما حقّقه سيد المرتضى في تنزيه الأنبياء وغيره في غيره .