العلامة الحلي
157
الباب الحادي عشر ( مع شرحيه النافع يوم الحشر للسيوري ومفتاح الباب للحسينى )
وغيرهم ينافي ما تقرّر عندهم انّ قدرة اللّه تعالى شاملة لجميع الممكنات على ما سبق بيانه ، لأنّ الأفعال الاختياريّة ممكنات قطعا إلّا أن يقال المراد بتأثير قدرة العبد فيها تأثيرها في وجودها بالفعل بانضمام الإرادة ، والمراد بشمول قدرته تعالى للممكنات تأثيرها في صحّة وجودها وعدمها كما مرّت الإشارة إليه ، فلا منافاة . وأشار إلى بعض وجوه الفرقة الثانية بقوله : ولامتنع وهو جزاء لشرط محذوف أي لو لم يكن أفعالنا صادرة عنّا باختيارنا لامتنع تكليفنا بشيء من الأفعال ، ضرورة أنّ تكليف العبد بما لا يكون مستقلّا في إيجاده بالقدرة والاختيار غير معقول ، وإذا امتنع التّكليف فلا عصيان ولا طاعة ، بل لا ثواب ولا عقاب ، ولا فائدة في بعثة الأنبياء واللّوازم كلها باطلة إجماعا فكذا الملزوم . وأجيب عنه بأنّ تكليف العباد باعتبار أنّ لهم قدرة على الأفعال فيصرفون قدرتهم إليها وإن لم يكن لقدرتهم تأثير فيها ، بل يؤثّر قدرة اللّه فيها عقيب صرفهم القدرة إليها ، فمدار الطّاعة والعصيان والثّواب والعقاب وبعثة الأنبياء على ذلك الصّرف ، وهذا هو المسمّى بالكسب الواقع من العبد في مقابلة الخلق الواقع من اللّه تعالى . أقول : هذا ليس بشيء ، إذ من البيّن المكشوف أنّه لا يكفى في التّكليف مجرّد تحقّق القدرة ، بل لا بدّ أن يكون لها تأثير في المكلّف به ، لأنّ صرف القدرة الّتي ليس من شأنها التأثير سيّما مع العلم بعدم تأثيرها كما في الأفعال الاختياريّة الصّادرة عن بعض المخالفين لا يصلح أن يتعلّق به التّكليف وفروعه قطعا ، على أنّ صرف القدرة إن كان فعلا اختياريّا فلا فائدة للعدول عن أصل الفعل إليه بل الكلام فيه كالكلام في ذلك ، وإن لم يكن اختياريا لم يصحّ جعل التّكليف باعتباره ، ضرورة أنّ التّكليف لغير الفعل الاختياري غير معقول ، مع أنّه على هذا يلزم الجبر لأنّ ما عدا الأفعال الاختياريّة مقدور اللّه تعالى فقط بالاتّفاق ، ومن ثمّ اشتهر أنّه لا معنى لحال البهشمى وكسب الأشعري . لا يقال : يلزم الجبر على تقدير تأثير قدرة العبد أيضا ، ضرورة أنّ قدرة العبد وإرادته مقدورتان مخلوقتان للّه تعالى فقط اتّفاقا . لأنّا نقول : نعم لكن تأثيرهما وصرفهما إلى الفعل من العبد وقدرته فليتأمّل في هذا