العلامة الحلي

99

الباب الحادي عشر ( مع شرحيه النافع يوم الحشر للسيوري ومفتاح الباب للحسينى )

الصّفة الأولى أنّه تعالى قادر مختار ، القدرة والاختيار لفظان مترادفان ومشتركان بين معنيين : أحدهما كون الفاعل بحيث يصحّ منه الفعل والتّرك بمعنى انّه لا يلزمه أحدهما إلا بشرط الإرادة ، ويقابله الإيجاب وهو كونه بحيث يلزمه أحد الطّرفين بلا اشتراط الإرادة . وثانيهما كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، والمراد هاهنا المعنى الأوّل لانّه المختلف فيه بين المتكلّمين والحكماء القائلين بالإيجاب . وأمّا كونه تعالى مختارا بالمعنى الثّاني فمتّفق عليه بين الفريقين إلا انّ الحكماء ذهبوا إلى أنّ المشيّة من لوازم ذاته من حيث هي هي يمتنع انفكاكها عنه ، فمقدّم الشّرطيّة الأولى واجب الصّدق ومقدّم الثّانية واجب الكذب ، وكلتا الشّرطيّتين صادقتان في حقّه تعالى ، فهذا المعنى لا ينافي الإيجاب ، ضرورة أن الفعل إذا كان لازما للمشيّة وهي لازمة للذّات من حيث هي هي كان الفعل لازمان للذّات من حيث هي هي وهو الإيجاب ، بخلاف المعنى الأولى فإنّه يقتضي أن لا يكون الإرادة لازمة للذّات من حيث هي هي ، فلا يكون فعل اللّازم للإرادة لازما للذّات من حيث هي هي فيكون منافيا للإيجاب قطعا . وبهذا التّحقيق اندفع ما توهّم أنّ المعنى الأوّل أيضا لا ينافي الإيجاب لأنّ أحد الطّرفين لا يلزم الذّات بدون الإرادة اتّفاقا ويلزمها مع الإرادة اتّفاقا فلا تغفل . وإنّما قدّم صفة القدرة على صفة العلم مع أنّ العلم أعمّ من القدرة لشمولها الممكنات والممتنعات واختصاص القدرة بالممكنات ، وتقديم الأعمّ أولى كما لا يخفى ، لأنّ القدرة بالمعنى المقصود مختلف فيها بين الحكماء والمتكلّمين بخلاف العلم ، إذ لم ينكره إلا شرذمة قليلة من قدماء الحكماء ففيها زيادة اهتمام يقتضي تقديمها . وأمّا ما قيل من أنّ تقديم القدرة على العلم لكونها أصلا بالنّسبة إليه متضمّنة له فانّ القدرة مشتملة على الدّاعى وهو العلم بالمصلحة . وما قيل انّ تقديم القدرة لاستدعاء القدرة الصّنع ففيها ما لا يخفى ، لانّ العالم هو ما سوى اللّه من أجناس الموجودات كما يقال : « الإنسان عالم » و « الحيوان عالم » و « النّبات عالم » وربّما يطلق على الكلّ وهو المراد