العلامة الحلي
51
إيضاح مخالفة السنة لنص الكتاب و السنة
بسم الله الرحمن الرحيم * قال اللّه تعالى : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ . « 1 » أقول : خالفت السنّة هذه الآية من وجوه : أ - زُيِّنَ المزيّن للذين كفروا الحياة الدنيا هو إبليس وجنوده ؛ لأنّه هو الذي يغرّ ويقوّي دواعي الشهوة ، ويحسّن فعل القبيح والإخلال بالواجب ، ويسوّف لهم التوبة ، ولا يصحّ أن يكون المزيّن هو اللّه - تعالى - ؛ لأنّه - تعالى - زهّد فيها ، وأعلم أنّها دار الغرور ، وتوعّد على ارتكاب القبائح فيها ، « 2 » وإنّما يصحّ ذلك لو كانت الأفعال مستندة لي العبد ، « 3 » وخالفت السنّة فيه .
--> ( 1 ) . البقرة / 212 . ( 2 ) . عن التبيان بتصرّف ، ج 2 ، ص 191 . هذا قول الحسن والجبائي وأكثر علماء المعتزلة ، غير أن المعتزلة قد أضافوا إلى ذلك وجوها أخرى ، أشهرها : أنّ المزيّن هو اللّه تعالى ثم اتسعت هذه النظرية واحتوت على تأويلات مختلفة : الأوّل : إنّ الله تعالى هو المزيّن بما أظهره في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب واللذة ، وإنّما فعل ذلك ابتلاء لعباده . ونظيره قوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ ( آل عمران / 14 ) وقال أيضا : الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا ( الكهف / 46 ) ومعنى ذلك أن اللّه تعالى جعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان ، فركب في الطباع الميل إلى اللذات وحبّ الشهوات لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردّها عنه ، ليتمّ بذلك الامتحان وليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام . ( ذكر الطوسي والطبرسي هذا التأويل والقول الأوّل مع عبارات مختلفة واستحسن الطوسي كليهما : التبيان ، ج 2 ، صص 191 - 192 ؛ مجمع البيان ، ج 2 ، ص 574 ) . الثاني : إن المراد من التزيين ، أنّه تعالى أمهلهم في الدنيا ولم يمنعهم عن الإقبال عليها والحرص الشديد في طلبها ، فهذا الإمهال هو المسمّى بالتزيين ( أشار الزمخشري إلى هذا في أحد أقواله . الكشاف ، ج 1 ، ص 254 ) . الثالث : إن الله تعالى زيّن من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات . أمّا الفخر فإنه يردّ على هذه الآراء كلّها ويبدي رأيه الخاص قائلا : « وأما أصحابنا فإنّهم حملوا التزيين على أنّه تعالى خلق في قلبه ( الكافر ) إرادة الأشياء والقدرة على تلك الأشياء بل خلق تلك الأفعال والأحوال وهذا بناء على أنّ الخالق لأفعال العباد ليس إلّا اللّه سبحانه وعلى هذا الوجه ظهر المراد من الآية » ( التفسير الكبير ، ج 6 ، ص 7 ) . يحتمل الآلوسي معنيين لهذه الآية أحدهما : المزيّن هو اللّه ، والثاني : المزيّن هو الشيطان ( روح المعاني ، ج 2 ، ص 100 ) . أما الطبري والطباطبايى فإنهما لم يعيّنا الفاعل وفسّرا الآية بصيغة المجهول ( جامع البيان ، ج 2 ، ص 333 ؛ الميزان ، ج 2 ، صص 110 - 111 ) . وقد يمكن القول بأنّ انتساب الشئ إليه تعالى من جهة خلق أسباب وجوده ومقدماته لا يوجب انتفاء نسبته إلى غيره تعالى وإلّا أوجب ذلك بطلان قانون العلية العام . فمن الممكن أن يستند التزيين إلى الشيطان وإلى اللّه تعالى في آن واحد . ( 3 ) . يعتقد الأشاعرة أنّ الله خالق أفعال العباد وله خيرها وشرها . وقد قال الأشعري في باب سمّاه ب « حكاية جمله قول أهل الحديث وأهل السنة » : « وأقروا أنّه لا خالق الّا اللّه وأنّ سيئات العباد يخلقها اللّه وأنّ أعمال العباد يخلقها عزّ وجلّ وأنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا منها شيئا » ( مقالات الاسلامين ، ص 321 ) . لقد أقامت الأشاعرة حججا وأدلة عقلية ونقلية على خلق الأعمال ( راجع : الأربعين ، ج 1 ، ص 319 - 332 ؛ المواقف ، صص 312 - 316 ؛ شرح المقاصد ، ج 4 ، صص 223 - 262 ) ولمّا كان القول بأنّ أفعال العباد مخلوقة للّه أدّى بهم إلى الاعتراف بالجبر ، حاولوا أن يعالجوا الأمر بإضافة الكسب إلى الخلق ، قائلين بأنّ اللّه هو الخالق والعبد هو الكاسب ، ومعيار الطاعة والعصيان والثواب والعقاب هو الكسب ، دون الخلق ، فكل فعل من أفعال الإنسان مشتمل على جهتين : جهة الخلق وجهة الكسب ، فالخلق والإيجاد يخصّان اللّه - سبحانه - والكسب للإنسان . فقد اختلفت آراء الأشاعرة في تبيين نظرية الكسب ( راجع : اللمع ، ص 76 ؛ منهاج اليقين ، صص 235 - 236 ؛ بحوث في الملل والنحل ، ج 2 ، صص 123 - 158 ) .