عبد اللطيف البغدادي

39

فاطمة والمفضلات من النساء

" فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا " والمنادي لها هو أبنها عيسى ، وقيل المنادي لها جبرئيل والأول أنسب لحال المولود مع والدته لأنه ناداها من تحتها وقرئت " مَن تحتها " وقد أنطقه الله ليزيل ما أصاب مريم من الحزن والغم الشديدين إذ لا مصيبة هي أمر وأشق على المرأة الزاهدة المتنسكة - وخاصة إذا كانت عذراء بتولاً - من أن تتهم في عرضها وخاصة إذا كانت من بيت نبوة ورسالة بيت معروف بالعفة والنزاهة في حاضر حاله وسابق عهده لذا اقتضت الحكمة الإلهية أن تنطق لها وليدها تسلية لها " فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا " والسري هنا هو النهر الجاري بعد أن كان قد يبس منذ زمن بعيد " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا " والتعبير بجذع النخلة يشعر بكونها يابسة غير مخضرة ، وقد ورد أن النخلة كانت قد يبست أيضاً منذ دهر طويل فلما مدت يدها إلى الجذع اخضرت وأورقت وأثمرت بالحال وتساقط عليها الرطب الطري وطابت نفسها ، ويقال : أمرت بهزها تعاطياً للأسباب ، وإلى هذا يشير بعض الأدباء حيث يقول : وهزي إليك الجذع يساقط الرطب جنته ولكن كل شئ له سبب . ألم تر أن الله قال لمريم ولو شاء أن تجنيه من غير هزه . ثم قال لها " فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا " أي فكلي من الرطب واشربي من النهر وقري عيناً بالولد ، ولكن هذا كله لا يحل لها مشكلتها وإنما كان لمجرد تسليتها فقط أما حل المشكلة فهي قوله تعالى لها : " فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا " والمراد