الشوكاني
92
فتح القدير
وأن ما وقع من العرب من التكذيب لرسول الله ووصفه بالسحر والجنون قد كان ممن قبلهم لرسلهم ، و ( كذلك ) في محل رفع على أنه خبر مبتدإ محذوف : أي الأمر كذلك . ثم فسر ما أجمله بقوله ( ما أتى ) الخ ، أو في محل نصب نعتا لمصدر محذوف : أي أنذركم إنذارا كإنذار من تقدمني من الرسل الذين أنذروا قومهم ، والأول أولى ( أتواصوا به ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب من حالهم : أي هل أوصي أولهم آخرهم بالتكذيب وتواطئوا عليه ( بل هم قوم طاغون ) إضراب عن التواصي إلى ما جمعهم من الطغيان : أي لم يتواصوا بذلك ، بل جمعهم الطغيان وهو مجاوزة الحد في الكفر ، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالإعراض عنهم فقال ( فتولى عنهم ) أي أعرض عنهم وكف عن جدالهم ودعائهم إلى الحق ، فقد فعلت ما أمرك الله به وبلغت رسالته ( فما أنت بملوم ) عند الله بعد هذا لأنك قد أديت ما عليك ، وهذا منسوخ بآية السيف ، ثم لما أمره بالإعراض عنهم أمره بأن لا يترك التذكير والموعظة بالي هي أحسن فقال ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) قال الكلبي : المعنى عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم . وقال مقاتل : عظ كفار مكة فإن الذكرى تنفع من كان في علم الله أنه يؤمن ، وقيل ذكرهم بالعقوبة وأيام الله ، وخص المؤمنين بالتذكير لأنهم المنتفعون به ، وجملة ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) مستأنفة مقررة لما قبلها ، لأن كون خلقهم لمجرد العبادة مما ينشط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للتذكير وينشطهم للإجابة . قيل هذا خاص في من سبق في علم الله سبحانه أنه يعبده ، فهو عموم مراد به الخصوص . قال الواحدي : قال المفسرون : هذا خاص لأهل طاعته ، يعني من أهل من الفريقين . قال : وهذا قول الكلبي والضحاك واختيار الفراء وابن قتيبة . قال القشيري : والآية دخلها التخصيص بالقطع ، لأن المجانين لم يؤمروا بالعبادة ولا أرادها منهم ، وقد قال - ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس - ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة . فالآية محمولة على المؤمنين منهم ، ويدل عليه قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب " وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون " . وقال مجاهد : إن المعنى : إلا ليعرفوني . قال الثعلبي : وهذا قول حسن ، لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده . وروى عن مجاهد أنه قال : المعنى إلا لآمرهم وأنهاهم ، ويدل عليه قوله - وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون - واختار هذا الزجاج . وقال زيد بن أسلم : هو ما جبلوا عليه من السعادة والشقاوة ، فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة ، وخلق الأشقياء للمعصية . وقال الكلبي : المعنى إلا ليوحدون ، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء ، وأما الكافر فيوحده في الشدة دون النعمة كما في قوله - وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين - وقال جماعة : إلا ليخضعوا لي ويتذللوا ، ومعنى العبادة في اللغة : الذل والخضوع والانقياد ، وكل مخلوق من الإنس والجن خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته منقاد لما قدره عليه . خلقهم على ما أراد ، ورزقهم كما قضى ، لا يملك أحد منهم لنفسه نفعا ولا ضرا . ووجه تقديم الجن على الإنس ها هنا تقديم وجودهم ( ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) هذه الجملة فيها بيان استغنائه سبحانه عن عباده ، وأنه لا يريد منهم منفعة كما تريده السادة من عبيدهم ، بل هو الغنى المطلق الرازق المعطي . وقيل المعنى : ما أريد منهم أن يرزقوا أحدا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم ، ولا يطعموا أحدا من خلقي ولا يطعموا أنفسهم ، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق عيال الله ، فمن أطعم عيال الله فهو كمن أطعمه . وهذا كما ورد في قوله صلى الله عليه وآله وسلم " يقول الله عبدي استطعمتك فلم تطعمني " أي لم تطعم عبادي ، ومن في قوله ( من رزق ) زائدة لتأكيد العموم . ثم بين سبحانه أنه هو الرزاق لا غيره ، فقال ( إن الله هو الرزاق ) لا رزاق سواه ولا معطي غيره ، فهو الذي يرزق مخلوقاته ويقوم بما يصلحهم