الشوكاني

8

فتح القدير

لعباده ، وهم كفار قريش ومن وافقهم ( إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ) أي لا يدفعون عنك شيئا مما أراده الله بك إن اتبعت أهوائهم ( وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ) أي أنصار ينصر بعضهم بعضا قال ابن زيد : إن المنافقين أولياء اليهود ( والله ولي المتقين ) أي ناصرهم ، والمراد بالمتقين الذين اتقوا الشرك والمعاصي ، والإشارة بقوله ( هذا ) إلى القرآن أو إلى اتباع الشريعة ، وهو مبتدأ وخبره ( بصائر للناس ) أي براهين ودلائل لهم فيما يحتاجون إليه من أحكام الدين ، جعل ذلك بمنزلة البصائر في القلوب وقرئ " هذه بصائر " : أي هذه الآيات ، لأن القرآن بمعناها كما قال الشاعر : سائل بني أسد ما هذه الصوت * لأن الصوت بمعنى الصيحة ( وهدى ) أي رشد وطريق يؤدي إلى الجنة لمن عمل به ( ورحمة ) من الله في الآخرة ( لقوم يوقنون ) أي من شأنهم الإيقان وعدم الشك والتزلزل بالشبه ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات ) أم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني ، والهمزة لإنكار الحسبان ، والاجتراح الاكتساب ومنه الجوارح ، وقد تقدم في المائدة ، والجملة مستأنفة لبيان تباين حالي المسيئين والمحسنين ، وهو معنى قوله ( أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي نسوي بينهم مع اجتراحهم السيئات ، وبين أهل الحسنات ( سواء محياهم ومماتهم ) في دار الدنيا وفي الآخرة ، كلا لا يستوون ، فإن حال أهل السعادة فيهما غير حال أهل الشقاوة ، وقيل المراد إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة . قرأ الجمهور " سواء " بالرفع على أنه خبر مقدم ، والمبتدأ محياهم ومماتهم والمعنى : إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم سواء . وقرأ حمزة والكسائي وحفص " سواء " بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور في قوله ( كالذين آمنوا ) أو على أنه مفعول ثان لحسب ، واختار قراءة النصب أبو عبيد ، وقال معناه : نجعلهم سواء ، وقرأ الأعمش وعيسى بن عمر " مماتهم " بالنصب على معنى سواء في محياهم ومماتهم ، فلما سقط الخافض انتصب ، أو على البدل من مفعول نجعلهم بدل اشتمال ( ساء ما يحكمون ) أي ساء حكمهم هذا الذي حكموا به ( وخلق الله السماوات والأرض بالحق ) أي بالحق المقتضى للعدل بين العباد ، ومحل بالحق النصب على الحال من الفاعل ، أو من المفعول ، أو الباء للسببية ، وقوله ( ولتجزى كل نفس بما كسبت ) يجوز أن يكون على الحق ، لأن كلا منهما سبب ، فعطف السبب على السبب ، ويجوز أن يكون معطوفا على محذوف ، والتقدير : خلق الله السماوات والأرض ليدل بهما على قدرته ولتجزى ، ويجوز أن تكون اللام للصيرورة ( وهم لا يظلمون ) أي النفوس المدلول عليها بكل نفس لا يظلمون بنقص ثواب أو زيادة عقاب ، ثم عجب سبحانه من حال الكفار فقال ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) قال الحسن وقتادة : ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه فلا يهوى شيئا إلا ركبه ، وقال عكرمة : يعبد ما يهواه أو يستحسنه ، فإذا استحسن شيئا وهواه اتخذه إلاها . قال سعيد بن جبير : كان أحدهم يعبد الحجر ، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر ( وأضله الله على علم ) أي على علم قد علمه ، وقيل المعنى : أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه وقال مقاتل : على علم منه أنه ضال لأنه يعلم أن الصنم لا ينفع ولا يضر . قال الزجاج : على سوء في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه ، ومحل على علم النصب على الحال من الفاعل أو المفعول ( وختم على سمعه وقلبه ) أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى ( وجعل على بصره غشاوة ) أي غطاء حتى لا يبصر الرشد . قرأ الجمهور " غشاوة " بالألف مع كسر الغين . وقرأ حمزة والكسائي " غشوة " بعير ألف مع فتح الغين ، ومنه قول الشاعر : لئن كنت ألبستني غشوة * لقد كنت أصغيتك الود حينا