الشوكاني
71
فتح القدير
قوله ( ق والقرآن المجيد ) الكلام في إعراب هذا كالكلام الذي قدمنا في قوله - ص والقرآن ذي الذكر - وفي قوله - حم والكتاب المبين - واختلف في معنى ق ، فقال الواحدي : قال المفسرون : هو اسم جبل يحيط بالدنيا من زبرجد والسماء مقببة عليه ، وهو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة . قال الفراء : كان يجب على هذا أن يظهر الإعراب في . ق لأنه اسم ، وليس بهجاء . قال : ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كقول القائل : قلت لها قفي ، فقالت قاف ، أي أنا واقفة . وحكى الفراء والزجاج : أن قوما قالوا معنى ق : قضي الأمر وقضى ما هو كائن ، كما قيل في حم : حم الأمر . وقيل هو اسم من أسماء الله أقسم به . وقال قتادة : هو اسم من أسماء القرآن . وقال الشعبي : فاتحة السورة . وقال أبو بكر الوراق معناه : قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما ، وقيل غير ذلك مما هو أضعف منه . والحق أنه من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه كما حققنا ذلك في فاتحة سورة البقرة ، ومعني المجيد : أنه ذو مجد وشرف على سائر الكتب المنزلة . وقال الحسن : الكريم ، وقيل الرفيع القدر ، وقيل الكبير القدر ، وجواب القسم قال الكوفيون هو قوله ( بل عجبوا ) وقال الأخفش : جوابه محذوف كأنه قال : ق والقرآن المجيد لتبعثن ، يدل عليه ( أئذا متنا وكنا ترابا ) وقال ابن كيسان جوابه - ما يلفظ من قول - وقيل هو - قد علمنا ما تنقص الأرض منهم - بتقدير اللام : أي لقد علمنا . وقيل هو محذوف وتقديره أنزلناه إليك لتنذر ، كأنه قيل ق والقرآن المجيد أنزلناه إليك لتنذر به الناس . قرأ الجمهور قاف بالسكون . وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم بكسر الفاء . وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء : وقرأ هارون ومحمد بن السميفع بالضم ( بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ) بل للإضراب عن الجواب على اختلاف الأقوال ، وأن في موضع نصب على تقدير : لأن جاءهم . والمعنى : بل عجب الكفار لأن جاءهم منذر منهم وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يكتفوا بمجرد الشك والرد ، بل جعلوا ذلك من الأمور العجيبة ، وقيل هو إضراب عن وصف القرآن بكونه مجيدا وقد تقدم تفسير هذا في سورة ص ثم فسر ما حكاه عنهم من كونهم عجبوا بقوله ( فقال الكافرون هذا شئ عجيب ) وفيه زيادة تصريح وإيضاح . قال قتادة : عجبهم أن دعوا إلى إله واحد ، وقيل تعجبهم من البعث ، فيكون لفظ " هذا " إشارة إلى مبهم يفسره ما بعده من قوله ( أئذا متنا ) الخ ، والأول أولى . قال الرازي : الظاهر أن قولهم هذا إشارة إلى مجئ المنذر ، ثم قالوا ( أئذا متنا ) وأيضا قد وجد ها هنا بعد الاستبعاد بالاستفهام أمر يؤدي معنى التعجب ، وهو قولهم ( ذلك رجع بعيد ) فإنه استبعاد وهو كالتعجب ، فلو كان التعجب بقولهم ( هذا شئ عجيب ) عائدا إلى قولهم : أئذا لكان كالتكرار ، فإن قيل التكرار الصريح يلزم من قولك هذا شئ عجيب أنه يعود إلى مجئ المنذر ، فإن تعجبهم منه علم من قولهم : وعجبوا أن جاءهم ، فقوله ( هذا شئ عجيب ) يكون تكرارا ، فنقول ذلك ليس بتكرار بل هو تقرير لأنه لما قال بل عجبوا بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجبا كقوله - أتعجبين من أمر الله - ويقال في العرف : لا وجه لتعجبك مما ليس بعجب ، فكأنهم لما عجبوا قيل لهم : لا معنى لتعجبكم ، فقالوا ( هذا شئ عجيب ) فكيف لا نعجب منه ، ويدل على ذلك قوله هاهنا ( فقال الكافرون ) بالفاء ، فإنها تدل على أنه مترتب على ما تقدم ، قرأ الجمهور " أئذا متنا " بالاستفهام . وقرأ ابن عامر في رواية عنه وأبو جعفر والأعمش والأعرج بهمزة واحدة ، فيحتمل الاستفهام كقراءة الجمهور ، وهمزة الاستفهام مقدرة ، ويحتمل أن معناه الإخبار ، والعامل في الظرف مقدر : أي أيبعثنا ، أو أنرجع إذا متنا لدلالة ما بعده عليه ، هذا على قراءة الجمهور ، وأما على القراءة الثانية فجواب إذا محذوف : أي رجعنا ، وقيل ذلك رجع ، والمعنى : استنكارهم للبعث بعد موتهم ومصيرهم ترابا . ثم جزموا باستبعادهم للبعث فقالوا ( ذلك ) أي البعث ( رجع بعيد ) أي بعيد عن العقول أو الأفهام أو العادة أو الإمكان ،