الشوكاني
6
فتح القدير
لعباده ( إن في ذلك ) المذكور من التسخير ( لآيات لقوم يتفكرون ) وخص المتفكرين لأنه لا ينتفع بها إلا من تفكر فيها ، فإنه ينتقل من التفكر إلى الاستدلال بها على التوحيد ( قل للذين آمنوا يغفروا ) أي قل لهم اغفروا يغفروا ( للذين لا يرجون أيام الله ) وقيل هو على حذف اللام ، والتقدير : قل لهم ليغفروا . والمعنى : قل لهم يتجاوزوا عن الذين لا يرجون وقائع الله بأعدائه : أي لا يتوقعانها ، ومعنى الرجاء هنا الخوف ، وقيل هو على معناه الحقيقي . والمعنى : لا يرجون ثوابه في الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين ، والأول أولى ، والأيام يعبر بها عن الوقائع كما تقدم في تفسير قوله - وذكرهم بأيام الله - قال مقاتل : لا يخشون مثل عذاب الله للأمم الخالية ، وذلك أنهم لا يؤمنون به فلا يخافون عقابه . وقيل المعنى : لا يأملون نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه ، وقيل لا يخافون البعث . وقيل والآية منسوخة بآية السيف ( ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " لنجزي " بالنون : أي لنجزي نحن . وقرأ باقي السبعة بالتحتية مبنيا للفاعل : أي ليجزي الله . وقرأ أبو جعفر وشيبة وعاصم بالتحتية مبنيا للمفعول مع نصب قوما ، فقيل النائب عن الفاعل مصدر الفعل أي ليجزي الجزاء قوما ، وقيل إن النائب الجار والمجرور كما في قوله الشاعر : ولو ولدت فقيرة جر وكلب * لسب بذلك الجرو الكلابا وقد أجاز ذلك الأخفش والكوفيون ، ومنعه البصريون ، والجملة لتعليل الأمر بالمغفرة ، والمراد بالقوم المؤمنون ، أمروا بالمغفرة ليجزيهم الله يوم القيامة بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على أذية الكفار والإغضاء عنهم بكظم الغيظ واحتمال المكروه . وقيل المعنى : ليجزي الكفار بما عملوا من السيئات كأنه قال : لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن ، والأول أولى . ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم والمشركين وأعمالهم فقال ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ) والمعنى : أن عمل كل طائفة من إحسان أو إساءة لعامله لا يتجاوزه إلى غيره وفيه ترغيب وتهديد ( ثم إلى ربكم ترجعون ) فيجازي كلا بعمله إن كان خيرا فخير ، وإن كان شرا فشر . وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله ( جميعا منه ) قال : منه النور والشمس والقمر . وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : كل شئ هو من الله . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن طاووس قال : جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله مم خلق الخلق ؟ قال : من الماء والنور والظلمة والهواء والتراب ، قال : فمم خلق هؤلاء ؟ قال : لا أدري . ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير ، فسأله فقال مثل قول عبد الله بن عمرو ، فأتى ابن عباس فسأله مم خلق الخلق ؟ فقال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب ، قال فمم خلق هؤلاء ؟ فقرأ ابن عباس ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) فقال الرجل : ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( قل للذين آمنوا يغفروا ) الآية قال : كان نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرض عن المشركين إذا آذوه ، وكانوا يستهزئون به ويكذبونه ، فأمره الله أن يقاتل المشركين كافة ، فكان هذا من المنسوخ