الشوكاني
59
فتح القدير
الفعل كقولهم هو يعطي ويمنع . والثاني أنه لازم نحو وجه وتوجه ، ويعضده قراءة ابن عباس والضحاك ويعقوب " تقدموا " بفتح التاء والقاف والدال . قال الواحدي : قدم ها هنا بمعنى تقدم ، وهو لازم . قال أبو عبيدة : العرب تقول لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب : أي لا تعجل بالأمر دونه والنهي لأن المعنى : لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما ، وبين يدي الإمام عبارة عن الإمام لاما بين يدي الإنسان ، ومعنى الآية : لا تقطعوا أمرا دون الله ورسوله ولا تعجلوا به . وقيل المراد معنى بين يدي فلان بحضرته ، لأن ما يحضره الإنسان فهو بين يديه ( واتقوا الله ) في كل أموركم ، ويدخل تحتها الترك للتقدم بين يدي الله ورسوله دخولا أوليا . ثم علل ما أمر به من التقوى بقوله ( إن الله سميع ) لكل مسموع ( عليم ) بكل معلوم ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ) يحتمل أن المراد حقيقة رفع الصوت ، لأن ذلك يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام ، لأن خفض الصوت وعدم رفعه من لوازم التعظيم والتوفير . ويحتمل أن يكون المراد المنع من كثرة الكلام ومزيد اللغط ، والأول أولى . والمعنى لا ترفعوا أصواتكم إلى حد يكون فوق ما يبلغه صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم . قال المفسرون : المراد من الآية تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره وأن لا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا ( ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ) أي لا تجهروا بالقول إذا كلمتموه كما تعتادونه من الجهر بالقول إذا كلم بعضكم بعضا . قال الزجاج : أمرهم الله بتجليل نبيه وأن يغضوا أصواتهم ويخاطبوه بالسكينة والوقار ، وقيل المراد بقوله ( ولا تجهروا له بالقول ) لا تقولوا يا محمد ويا أحمد ، ولكن يا نبي الله ويا رسول الله توقيرا له ، والكاف في محل نصب على أنها نعت مصدر محذوف : أي جهرا مثل جهر بعضكم لبعض ، وليس المراد برفع الصوت وبالجهر في القول هو ما يقع على طريقة الاستخفاف فإن ذلك كفر ، وإنما المراد أن يكون الصوت في نفسه غير مناسب لما يقع في مواقف من يجب تعظيمه وتوقيره . والحاصل أن النهي هنا وقع عن أمور : الأول عن التقدم بين يديه بما لا يأذن به من الكلام . والثاني عن رفع الصوت البالغ إلى حد يكون فوق صوته سواء كان في خطابه أو في خطاب غيره . والثالث ترك الجفاء في مخاطبته ولزوم الأدب في مجاورته ، لأن المقاولة المجهورة إنما تكون بين الأكفاء الذين ليس لبعضهم على بعض مزية توجب احترامه وتوقيره . ثم علل سبحانه ما ذكره بقوله ( أن تحبط أعمالكم ) قال الزجاج : أن تحبط أعمالكم التقدير لأن تحبط أعمالكم أي فتحبط ، فاللام المقدرة لأم الصيرورة كذا قال ، وهذه العلة يصح أن تكون للنهي : أي نهاكم الله عن الجهر خشية أن تحبط ، أو كراهة أن تحبط ، أو علة للمنهي : أي لا تفعلوا الجهر فإنه يؤدي إلى الحبوط ، فكلام الزجاج ينظر إلى الوجه الثاني لا إلى الوجه الأول ، وجملة ( وأنتم لا تشعرون ) في محل نصب على الحال ، وفيه تحذير شديد ووعيد عظيم . قال الزجاج : وليس المراد وأنتم لا تشعرون يوجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم ، فكما لا يكون الكافر مؤمنا إلا باختياره الإيمان على الكفر ، كذلك لا يكون الكافر كافرا من حيث لا يعلم . ثم رغب سبحانه في امتثال ما أمر به ، فقال ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ) أصل الغض النقص من كل شئ ، ومنه نقص الصوت ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) قال الفراء : أخلص قلوبهم للتقوى كما يمتحن الذهب بالنار ، فيخرج جيده من رديئه ويسقط خبيثه . وبه قال مقاتل ومجاهد وقتادة . وقال الأخفش : اختصها للتقوى ، وقيل طهرها من كل قبيح ، وقيل وسعها وسرحها ، من محنت الأديم : إذا وسعته . وقال أبو عمرو : كل شئ جهدته فقد محنته ، واللام في للتقوى متعلقة بمحذوف : أي صالحة للتقوى كقولك أنت صالح لكذا ، أو للتعليل الجاري مجرى بيان السبب ، كقولك جئتك لأداء الواجب : أي ليكون مجيئي سببا لأداء الواجب ( لهم مغفرة وأجر عظيم ) أي أولئك لهم ، فهو خبر آخر لاسم الإشارة ، ويجوز أن يكون