الشوكاني

56

فتح القدير

تشاهدهم حال كونهم راكعين ساجدين وعلى قراءة الجمهور هو خبر آخر أو استئناف . أعني قوله تراهم ( ويبتغون فضلا من الله ورضوانا ) أي يطلبون ثواب الله لهم ورضاه عنهم وهذه الجملة خبر ثالث على قراءة الجمهور أو في محل نصب على الحال من ضمير تراهم ، وهكذا ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) السيما العلامة ، وفيها لغتان المد والقصر : أي تظهر علامتهم في جباههم من أثر السجود في الصلاة وكثرة التعبد بالليل والنهار . وقال الضحاك : إذا سهر الرجل أصبح مصفرا ، فجعل هذا هو السيما . وقال الزهري : مواضع السجود أشد وجوههم بياضا يوم القيامة . وقال مجاهد : هو الخشوع والتواضع ، وبالأول : أعني كونه ما يظهر في الجباه من كثرة السجود قال سعيد بن جبير ومالك . وقال ابن جرير : هو الوقار . وقال الحسن : إذا رأيتهم مرضى وما هم بمرضى ، وقيل هو البهاء في الوجه وظهور الأنوار عليه ، وبه قال سفيان الثوري : والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم من هذه الصفات الجليلة ، وهو مبتدأ وخبره قوله ( مثلهم في التوراة ) أي وصفهم الذي وصفوا به في التوراة ووصفهم الذي وصفوا به ( في الإنجيل ) وتكرير ذكر المثل لزيادة تقريره وللتنبيه على غرابته وأنه جار مجرى الأمثال في الغرابة ( كزرع أخرج شطأه ) الخ كلام مستأنف : أي هم كزرع الخ ، وقيل هو تفسير لذلك على أنه إشارة مبهمة لم يرد به ما تقدم من الأوصاف ، وقيل هو خبر لقوله ( ومثلهم في الإنجيل ) أي ومثلهم في الإنجيل كزرع قال الفراء : فيه وجهان : إن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل : يعني كمثلهم في القرآن ، فيكون الوقف على الإنجيل ، وإن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة ، ثم تبتدئ ومثلهم في الإنجيل كزرع . قرأ الجمهور " شطأه " بسكون الطاء ، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان بفتحها ، وقرأ أنس ونصر بن عاصم ويحيى بن وثاب شطاه كعصاه . وقرأه الجحدري وابن أبي إسحاق " شطه " بغير همزة ، وكلها لغات قال الأخفش والكسائي : شطأه : أي طرفه . قال الفراء : شطأ الزرع فهو مشطئ إذا خرج . قال الزجاج : ( أخرج شطأه ) : أي نباته . وقال قطرب : الشطأ سوى السنبل . وروى عن الفراء أيضا أنه قال : هو السنبل . وقال الجوهري . شطأ الزرع والنبات والجمع أشطاء ، وقد أشطأ الزرع خرج شطؤه ( فآزره ) أي قواه وأعانه وشده ، قيل المعنى : إن الشطأ قوى الزرع ، وقيل إن الزرع قوى الشطأ ، ومما يدل على أن الشطأ خروج النبات . قول الشاعر : أخرج الشطأ على وجه الثرى * ومن الأشجار أفنان الثمر قرأ الجمهور " فآزره " بالمد . وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة وحميد بن قيس بالقصر ، وعلى قراءة الجمهور قول امرئ القيس : بمحنية قد آزر النضال نبتها * بجر جيوش غانمين وخيب قال الفراء : آزرت فلانا آزره إذا قويته ( فاستغلظ ) أي صار ذلك الزرع غليظا بعد أن كان دقيقا ( فاستوى على سوقه ) أي فاستقام على أعواده ، والسوق جمع ساق . وقرأ قنبل سؤقه بالهمزة الساكنة ( يعجب الزراع ) أي يعجب هذا الزرع وزراعه لقوته وحسن منظره ، وهذا مثل ضربه الله سبحانه لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم يكونون في الابتداء قليلا ، ثم يزدادون ويكثرون ويقوون كالزرع ، فإنه يكون في الابتداء ضعيفا ثم يقوى حالا بعد حال حتى يغلظ ساقه . قال قتادة : مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإنجيل أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . ثم ذكر سبحانه علة تكثيره لأصحاب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وتقويته لهم فقال ( ليغيظ بهم الكفار ) أي كثرهم وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين ،