الشوكاني
523
فتح القدير
ويقال إن الوسواس ابن لإبليس ، وقد سبق تحقيق معنى الوسوسة في تفسير قوله - فوسوس لهما الشيطان - ومعنى ( الخناس ) كثير الخنس ، وهو التأخر ، يقال خنس يخنس : إذا تأخر ، ومنه قول العلاء بن الحضرمي يمدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فإن دخسوا بالشر فاعف تكرما * وإن خنسوا عند الحديث فلا تسل قال مجاهد : إذا ذكر الله خنس وانقبض ، وإذا لم يذكر انبسط على القلب . ووصف بالخناس لأنه كثير الاختفاء ، ومنه قوله تعالى - فلا أقسم بالخنس - يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها كما تقدم ، وقيل الخناس اسم لابن إبليس كما تقدم في الوسواس ( الذي يوسوس في صدور الناس ) الموصول يجوز أن يكون في محل جر نعتا للوسواس ، ويجوز أن يكون منصوبا على الذم ، ويجوز أن يكون مرفوعا على تقدير مبتدإ . وقد تقدم معنى الوسوسة . قال قتادة : إن الشيطان له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان ، فإذا غفل ابن آدم عن ذكر الله وسوس له ، وإذا ذكر العبد ربه خنس . قال مقاتل : إن الشيطان في صورة خنزير يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه سلطه الله على ذلك ، ووسوسته هي الدعاء إلى طاعته بكلام خفي يصل إلى القلب من غير سماع صوت ، ثم بين سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان : جني وإنسي ، فقال ( من الجنة والناس ) أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس ، وأما شيطان الإنس فوسوسته في صدور الناس أنه يرى نفسه كالناصح المشفق فيوقع في الصدر من كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة ما يوقع الشيطان فيه بوسوسته كما قال سبحانه - شياطين الإنس والجن - ويجوز أن يكون متعلقا بيوسوس : أي يوسوس في صدورهم من جهة الجنة ومن جهة الناس ، ويجوز أن يكون بيانا للناس . قال الرازي وقال قوم : من الجنة والناس قسمان مندرجان تحت قوله ( في صدور الناس ) لأن القدر المشترك بين الجن والإنس يسمى إنسانا ، والإنسان أيضا يسمى إنسانا ، فيكون لفظ الإنسان واقعا على الجنس والنوع بالاشتراك . والدليل على أن لفظ الإنسان يندرج فيه لفظ الإنس والجن ما روى أنه جاء نفر من الجن ، فقيل لهم : من أنتم ؟ قالوا : ناس من الجن . وأيضا قد سماهم الله رجالا في قوله - وأنه كان رجال من الإنس يعوذن لو برجال من الجن - وقيل يجوز أن يكون المراد أعوذ برب الناس من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ومن الجنة والناس ، كأنه استعاذ ربه من ذلك الشيطان الواحد ، ثم استعاذ بربه من جميع الجنة والناس ، وقيل المراد بالناس الناسي وسقطت الياء كسقوطها في قوله - يوم يدع الداع - ثم بين بالجنة والناس لأن كل فرد من أفراد الفريقين في الغالب مبتلى بالنسيان ، وأحسن من هذا أن يكون قوله ( والناس ) معطوفا على الوسواس : أي من شر الوسواس ومن شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس . قال الحسن : أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس ، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية . وقال قتادة : إن من الجن شياطين ، وإن من الإنس شياطين ، فنعوذ بالله من شياطين الجن والإنس ، وقيل إن إبليس يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور الإنس ، وواحد الجنة جنى كما أن واحد الإنس إنسي . والقول الأول هو أرجح هذه الأقوال ، وإن كان وسوسة الإنس في صدور الناس لا تكون إلا بالمعنى الذي قدمنا ، ويكون هذا البيان تذكر الثقلين للإرشاد إلى أن من استعاذ بالله منهما ارتفعت عنه محن الدنيا والآخرة . وقد أخرج ابن أبي داود عن ابن عباس في قوله ( الوسواس الخناس ) قال : مثل الشيطان كمثل ابن عرس واضع فمه على فم القلب فيوسوس إليه ، فإن ذكر الله خنس ، وإن سكت عاد إليه فهو الوسواس الخناس .