الشوكاني
517
فتح القدير
فقال ( لم يلد ) ثم أشار إلى الحجة فقال ( ولم يولد ) كأنه قيل الدليل على امتناع الولد اتفاقنا على أنه ما كان ولدا لغيره ، وإنما عبر سبحانه بما يفيد انتفاء كونه لم يلد ولم يولد في الماضي ولم يذكر ما يفيد انتفاء كونه كذلك في المستقبل لأنه ورد جوابا عن قولهم : ولد الله كما حكى الله عنهم بقوله - ألا إنهم من إفكهم سنة ليقولون ولد الله - فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم ، وهم إنما قالوا ذلك بلفظ يفيد النفي فيما مضى ، وردت الآية لدفع قولهم هذا ( ولم يكن له كفوا أحد ) هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها لأنه سبحانه إذا كان متصفا بالصفات المتقدمة كان متصفا بكونه لم يكافئه أحد ولا يماثله ولا يشاركه في شئ ، وأخر اسم كان لرعاية الفواصل ، وقوله " له " متعلق بقوله " كفوا " قدم عليه لرعاية الاهتمام ، لأن المقصود نفى المكافأة عن ذاته . وقيل إنه في محل نصب على الحال ، والأول أولى . وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية لأن سيبويه قال : إنه إذا تقدم الظرف كان هو الخبر ، وههنا لم يجعل خبرا مع تقدمه ، وقد رد على المبرد بوجهين : أحدهما أن سيبويه لم يجعل ذلك حتما بل جوزه . والثاني أنا لا نسلم كون الظرف هنا ليس بخبر ، بل يجوز أن يكون خبرا ويكون كفوا منتصبا على الحال وحكى في الكشاف عن سيبويه على أن الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ، واقتصر في هذه الحكاية على نقل أول كلام سيبويه ولم ينظر إلى آخره ، فإنه قال في آخر كلامه : والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير انتهى . قرأ الجمهور " كفوا " بضم الكاف والفاء وتسهيل الهمزة ، وقرأ الأعرج وسيبويه ونافع في رواية عنه بإسكان الفاء ، وروى ذلك عن حمزه مع إبداله الهمزة واوا وصلا ووقفا ، وقرأ نافع في رواية عنه " كفأ " بكسر الكاف وفتح الفاء من غير مد ، وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس كذلك مع المد ، وأنشد قول النابغة * لا تقذفني بركن لا كفاء له * والكفء في لغة العرب النظير ، يقول هذا كفؤك : أي نظيرك ، والاسم الكفاءة بالفتح . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والمحاملي في أماليه والطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن بريد لا أعلمه إلا رفعه . قال ( الصمد ) الذي لا جوف له ، ولا يصح رفع هذا . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال ( الصمد ) الذي لا جوف له ، وفي لفظ : ليس له أحشاء . وأخرج ابن أبي عاصم وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس مثله . وأخرج ابن المنذر عنه قال ( الصمد ) الذي لا يطعم ، وهو المصمت . وقال : أو ما سمعت النائحة وهي تقول : لقد بكر الناعي بخير بني أسد * بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وكان لا يطعم عند القتال ، وقد روى عنه أن الذي يصمد إليه في الحوائج ، وأنه أنشد البيت واستدل به على هذا المعنى ، وهو أظهر في المدح وأدخل في الشرف ، وليس لوصفه بأنه لا يطعم عند القتال كثير معنى . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق على ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال ( الصمد ) السيد الذي قد كمل في سودده ، والشريف الذي قد كمل في شرفه ، والعظيم الذي قد كمل في عظمته ، والحليم الذي قد كمل في حلمه ، والغني الذي قد كمل في غناه ، والجبار الذي قد كمل في جبروته ، والعالم الذي قد كمل في علمه ، والحكيم الذي قد كمل في حكمته ، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسودد ، وهو الله سبحانه هذه صفة لا تنبغي إلا له ليس له كفو وليس كمثله شئ . وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال ( الصمد ) هو السيد الذي قد انتهى سودده فلا